شرح
ومشاعرهم تزيد على ما في نفوسهم من مرض الكفر وسوء الاعتقاد ونحوهما . وتلك الزيادة من جنس المزيد عليه وملائمة له ومسندة إليه تعالى لكونها من جملة الأمور المسندة إليه تعالى ، وجعل زيادة التكاليف وتكرير الوحي وتضعيف النصر أيضا زيادة على ما في نفوسهم من مرض الكفر وسوء الاعتقاد ونحوهما مع أنها ليست من جنس المزيد عليه وغير ملائمة له بحسب الظاهر بناء على أن إحداث هذه الأمور سبب لازدياد ما في نفوسهم من المرض المجازي لأنه تعالى كلما زاد تكليفا وأنكروه ، وكلما كرر إنزال الوحي على رسوله وسمعوه وكلما نصره وزاد ذلك ازداد كفرهم وسوء اعتقادهم . ولما كان إحداث هذه الأمور سببا لزيادة كفرهم جعل إحداثه بمنزلة زيادة ما في نفوسهم من المرض المجازي فقال : « فزاد اللّه ذلك الطبع أو بازدياد التكاليف » . قوله : ( وكان إسناد الزيادة إلى اللّه تعالى من حيث إنه مسبب من فعله ) متعلق بقوله : « بازدياد التكاليف » وجواب عما يرد عليه من أن قوله تعالى :فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاًيستدعي مرضا مجازيا زائدا على ما كان في قلوبهم بحيث يكون ذلك الزائد من جنس المزيد عليه وملائما له ، لأن الزائد على كل شيء لا بد أن يكون كذلك .
ويستدعي أيضا أن تكون زيادته مستندة إليه تعالى وكل واحد من الأمرين ظاهر على تقدير أن يفسر ذلك بأن يقال فزاد اللّه ما في قلوبهم من الكفر والحسد لظهور دين اللّه ونصرة رسوله ، ونحوهما من الأمراض المجازية بالطبع لأن الطبع بمعنى إحداث الهيئة المانعة من قبول الإيمان والطاعة مرض قلبي ملائم لما في قلوبهم من الأمراض المجازية وأن زيادته مسندة إليه تعالى . وأما إن فسر ذلك بقوله : « فزاد اللّه ذلك بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضعيف النصر » فلا يظهر الأمن الأول لأن زيادة التكاليف وإن كانت أفعالا مسندة إليه تعالى إلا أنها ليست من جنس الأمراض المجازية فضلا عن أن تكون من جنس المزيد عليه أو ملائمة له حتى تعد زيادتها زيادة على ما في قلوبهم من الأمراض . وتقرير الجواب أن من فسر المرض المذكور في قوله : « فزادهم اللّه مرضا بازدياد التكاليف » لم يرد أن هذه الأمور أمراض مجازية زائدة على ما كان في قلوبهم حتى يرد أن يقال إنها ليست من قبيل الأمراض المجازية فضلا عن أن تكون من جنس المزيد عليه أو ملائمة له ، بل أراد أن قلوبهم كانت مريضة بالكفر وسوء الاعتقاد ونحوهما فزاد اللّه ذلك بسبب أن زاد التكاليف وكرر الوحي وضاعف النصر .
فإنه تعالى كلما زاد شيئا من هذه الأمور زاد ما في قلوبهم من الكفر وسائر الأمراض المجازية إلا أن ما ازداد في قلوبهم بسبب ازدياد التكاليف صفات اكتسبوها باختيارهم فهي مسندة إليهم من هذا الوجه ، ولهذا يلامون عليها ويعاقبون بسببها : وخلق اللّه تعالى إياها فيهم من جهة أنهم صرفوا اختيارهم إليها واكتسبوها لا أنه تعالى خلقها فيهم جبرا من غير