وبالأوّل دون الثاني تفصيلا من حيث إنا متعبّدون بتفاصيله فرض ولكن على الكفاية لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج وفساد المعاش .
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
( 4 ) أي يوقنون إيقانا زال معه ما كانوا عليه من أنّ الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودا أو نصارى ، وأنّ النار لن تمسّهم إلّا أياما معدودة واختلافهم في نعيم الجنة أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره ؟ وفي دوامه وانقطاعه وفي تقديم الصلة وبناء يوقنون على هم تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب ، وبأنّ اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ولا صادر عن إيقان ، واليقين اتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى ولا العلوم الضروريّة . والآخرة تأنيث الآخر صفة الدّار بدليل قوله تعالى :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
[ القصص : 83 ] فغلّبت
شرح
هذا العلم واجب على سبيل الكفاية . فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة لأن وجوبه على كل أحد حرج عظيم يستلزم اختلال أمر المعاش ، وأما الإيمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبله عليه الصلاة والسّلام فإنه واجب على الجملة لأن اللّه تعالى ما تعبدنا الآن به حتى تلزمنا معرفته على التفصيل ، بل إن عرفنا شيئا من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل .
قوله : ( أي يوقنون إيقانا زال معه ما كانوا عليه ) من الاعتقاد الذي يزعمون أنه إيقان بالآخرة مع أنه ليس بإيقان بل هو جهل محض وزعم بلا دليل ، كما أن معتقدهم خيال فاسد مبني على محض التوهم والتخمين كاعتقادهم بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات وهي أيام عبادتهم العجل . فإن الظاهر أن همزة « أيقن » للصيرورة ومعناه : صار ذا يقين وهو العلم المتقن الذي لا يتطرق إليه الشك والشبهة ، لكونه موجب النظر الصحيح والبرهان القاطع . لما حصر الإيمان بحقيقة الآخرة فيمن آمن بهذا المنزل والمنزل قبله بأنه إيمان زال معه ما كانوا عليه من الاعتقاد الباطل ومن اختلافهم إذ هو مجرور معطوف على قوله : « إن الجنة » بناء على أن اختلافهم أيضا مما كانوا عليه فينبغي أن يكون معطوفا على ما وقع في حيز من البيانية في قوله : « من أن الجنة » الخ .
فإن اليهود خذلهم اللّه بعد ما اتفقوا على الإقرار بالنشأة الأخرى والحشر الجسماني اختلفوا :
فذهبت طائفة منهم إلى أن نعيم الجنة من جنس نعيم الدنيا وأن لذة أهلها بمطاعمها ومشاربها ومناكحها على حسب تلذذهم بها في الدنيا . وذهب آخرون إلى أن التلذذ الجسماني إنما احتيج إليه في الدنيا لأجل نماء الأجسام وللتوالد وللتناسل لبقاء النوع وأهل الجنة مستغنون عن ذلك فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور . والأرواح