حبّ الشئ مشروط بتصوّره ، لكنّه في تلك الحال غافل عن كلّ من سوى اللّه ، فاستحال أن يكون محبّا للّه ، لشئ سواه ، لحصول الشّعور بكمال اللّه في تلك الحال مع أنّ ذلك الشّعور يوجب الحبّ .
وأمّا الثّانى ، فليس بمخلص في الحقيقة ، ولا يوحّد « 1 » لأنّه يريد مع الحقّ شيئا آخر . إذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّ هذه الألفاظ المنزلة في هذه « 2 » الآية ، لا يدلّ في حقّ الموصوفين بها ، على أنّهم [ 24 پ ] ممّن لا يريد اللّه ، للّه . وذلك لأنّ تلك الألفاظ إنّما وردت بيانا وكشفا لعقائدهم وما هم عليه من الإخلاص ، وإن لم يقولوا « 3 » شيئا منها .
فعلى ما آثرناه من التّفسير ، يكون ترك العطف لكمال الانقطاع والانفصال . وعلى تفسير سائر المفسّرين ، يكون لكمال « 4 » الاتّصال . وفيه ما أشرت إليه .
ثمّ لما كان ذكر اليوم وتكريره ووصفه بالعبوس وعموم الشّرّ ، أبلغ في الرّجوع إلى اللّه ، من الاقتصار على قوله تعالى « 5 »
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
وفي التّكليف الوارد على من لم يذق حلاوة إرادة اللّه ، للّه . فإنّ السّلوك في اللّه وهو مقام التّحلية بالأمور الوجودية الّتى ، هي النّعوت الإلهية ، لا يناله الكلّ ، ولا يصل إليه إلّا غائب على ذاته فلا يمكن التّعبير عنه بعبارة ، فضلا عن أن يكون الاقتصار على ذكره مفيدا إفادة عامّة . لا جرم ذكره وكرّره ، فإنّهم كانوا إنّما يريدون اللّه ، للّه . لا لطلب الثّواب ، ولا لهرب « 6 » من العقاب . واللّه ولىّ الهداية .
تنبيه :
من تأمّل في نظام كلام العليم الحكيم ، علم وحكم بلطف ما أشرنا إليه من التّفسير .
المشرق التاسع تفسير الآية الحادية عشر ، جزاء الاخلاص
قوله تعالى :
فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
( 11 ) .
الضّمير إشارة إلى من ذكرنا من أقسام السّعداء . فإنّهم لمّا فازوا بالمقاصد [ 25 ر ] العلية « 7 » الكلّية ، ووصلوا إلى كمالهم الأوفى ، هانت على نفوسهم مفارقة أبدانها ولم يحسّوا بالآلام
هامش
( 1 ) . د : موحّد .
( 2 ) . ش ، ت : - هذه .
( 3 ) . ش : لم يقولون .
( 4 ) . ش : بكمال .
( 5 ) . ش ، ت : - تعالى .
( 6 ) . ش ، ت : والهرب .
( 7 ) . د : العقلية .