( 5 ) اى وكذا أعدلهم سبحانه فيها جنس الحبوب التي تقوت بها نوع الإنسان
ذُو الْعَصْفِ
اى التبن والقشور إذ هو محفوظ فيها مربى معها إلى أن يستوي وينضج فيتقوت به الإنسان ويعصفه المواشي
وَ
كذا اظهر لهم فيها بمقتضى جوده سبحانه
الرَّيْحانُ
اى جنس الرياحين المشمومة المقوية لدماغ الإنسان المصفية عن الروائح الخبيثة والنفحات الكريهة . ثم لما عد سبحانه نبذا من نعمه الشاملة على عموم البرايا خاطب المكلفين منهم على سبيل الامتنان وهما الثقلان المجبولان على فطرة التوحيد واستعداد الايمان والعرفان فقال
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
ونعماء موجدكما ومربيكما
تُكَذِّبانِ
أيها المغموران في نعمه المستغرقان في بحار جوده وكرمه وكيف يسع لكما الكفران لنعم اللّه والطغيان عليه سبحانه مع أنه سبحانه قد
خَلَقَ الْإِنْسانَ
مصورا بصورة الرحمن قد خلقه أولا مع غاية كرامته ونجابته
مِنْ صَلْصالٍ
طين يابس له صلصلة وصوت
كَالْفَخَّارِ
اى كالخزف المتخذ من التراب الموقد بالنار ومع دناءة منشائه وخباثة مادته قد رفعه الحق ورباه إلى حيث جعله خليفة لذاته نائبا عنه ومرآة مجلوة قابلة لفيضان كمالات أسمائه وصفاته
وَخَلَقَ الْجَانَّ
اى الجن وقدر وجوده أولا
مِنْ مارِجٍ
دخان صاف حاصل
مِنْ نارٍ
موقدة ملتهبة مشتعلة على وجه الحركة والاضطراب ومع رداءة مادتها وكثافتها جعله شبها بالملإ الأعلى متصلا بهم في كمال اللطافة والصفاء بحيث لا يرى أشباحهم أمثالهم وإذا كان شأن الحق معكما هكذا
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وتنكران أيها الثقلان وكيف يليق بشأنه سبحانه الإنكار والتكذيب مع أنه سبحانه
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ
اى مشرقى الظهور والبروز من عماء العالم اللاهوتي نحو فضاء الأسماء والصفات الإلهي المسمى بالغيب الإضافي والأعيان الثابتة ثم منها إلى عالم الشهادة في السير الهابط
وَ
كذا
رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
اى مغربي الخفاء والبطون عن عالم الناسوت إلى برزخ الأعيان الثابتة ثم عنها إلى عالم اللاهوت في السير الصاعد إذ يتوارد دائما على شمس الحقيقة الذاتية باعتبار تجلياتها حسب أسمائها وصفاتها شروق وأفول وطلوع وغروب وبالجملة
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
أيها المظهران الكاملان المجبولان على فطرة الشعور والعرفان ومن أين يتأتى لكما التكذيب في شأنه سبحانه إذ هو بمقتضى قدرته قد
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
اى أرسل واطلق بحرى الوجود والعدم بحيث
يَلْتَقِيانِ
يتمازجان ويختلطان على وجه لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عين الكشف والشهود ويبقى
بَيْنَهُما
عناية منه سبحانه وفضلا
بَرْزَخٌ
هو الإنسان الكامل المتميز المتكيف بكيفية انبساط بحر الوجود العذب على بحر العدم المالح وامتداده عليه وانطباق سطوحهما بحيث لا يتمايزان في بادي الرأي سيما عند المحجوب الفاقد عين العبرة وبصر البصيرة ثم جعل سبحانه برزخ الإنسان الكامل بمقتضى الحكمة المتقنة المعتدلة على وجه
لا يَبْغِيانِ
اى لا يبغى ولا يغلب كل من بحرى الوجود والعدم على صاحبه في مرتبته ونشأته حتى يتكمل حكمة الظهور والبطون والجلاء والخفاء والألوهية والعبودية وسائر المتقابلات المترتبة على الشؤون الإلهية المتفرعة على الأسماء الذاتية
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
أيها المكلفان المعتبران وكيف لا تعتبران ولا تشكران نعمه مع أنه
يَخْرُجُ
حسب عنايته الأزلية
مِنْهُمَا
اى من البحرين المذكورين
اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
اى يخرج لكما أيها الثقلان المجبولان على فطرة العرفان من امتزاج البحرين المذكورين لآلى المعارف والحقائق ومرجان الشهود والإيقان
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
أيها الممنونان المغموران المستغرقان في موائد كرمه وجوده
وَلَهُ
سبحانه تفضلا