تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
سبحانه مخاطبا له عليه السّلام خطاب تمكين وتكريم إرشادا له وتعليما
ادْعُ
يا أكمل الرسل
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
اى إلى طريق توحيد مربيك الذي قد أرشدك إلى معارج عنايته وهداك إلى كمال كرامته كافة البرايا وعامة العباد
بِالْحِكْمَةِ
المتقنة البالغة الملينة لقلوبهم عن صلابة التقليدات الراسخة الموروثة لهم عن آبائهم وأسلافهم المصفية لنفوسهم عن الحمية الجاهلية المتمكنة فيها الخالية عن توهم السطوة والصولة والاستيلاء المثيرة لأنواع الاعراض النفسانية المترتبة على القوى البشرية المزيلة لأنواع الشبه والتخيلات الناشئة من الوسائل والأسباب العادية المقنعة لنفوسهم إلى أن أخذوها دلائل مشيرة إلى شواهد وتنبيهات متناسبة ملائمة للفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها رجاء ان يتفطنوا ويتنبهوا بمقتضى جبلتهم وحسب فطرتهم الأصلية
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
المورثة لهم يقظة وانتباها من سنة الغفلة ورقود النسيان المحصلة لهم شوقا وسرورا إلى مبدئهم ومنشئهم المرغبة لهم إلى اللذات الروحانية الدائمة الباقية المستمرة أزلا وابدا بلا ورود زوال وانقضاء المنفرة عماهم عليه من العوائق والعلائق الناسوتية العائقة من اللذات الوهمية المقتضية المنقطعة المورثة لأنواع المحن والأحزان
وَ
ان افتقرت يا أكمل الرسل في دعوتهم إلى المجادلة معهم ومكالمتهم أحيانا
جادِلْهُمْ بِالَّتِي
اى بالطريقة التي
هِيَ أَحْسَنُ
الطرق وأسلمها واعدلها من المقدمات المعتدلة الدالة على المساواة من كلا الجانبين برفق تام وتليين كامل ومسكنة وإرخاء عنان خال عن السطوة والتهور والغضب والتكبر والتجبر وعن الضحك والتمسخر والاستهزاء والتجهيل والتسفيه والتشنيع الشنيع كما يفعله عوام العلماء في مباحثاتهم ومحاوراتهم إذ هي بعيدة عن الحكمة بمراحل مثيرة لأنواع الفتن والخصومات وأصناف الأغراض النفسانية والأمراض الهيولانية ولك أيضا ان لا تبالغ في هدايتهم وايمانهم ولا تتشوش من ضلالهم وطغيانهم إذ ما عليك الا تبليغ ما أرسلت به واما حصول الهداية أو الضلالة فيهم فأمر خارج عن وسعك وطاقتك
إِنَّ رَبَّكَ
المطلع على استعدادات عباده وقابلياتهم
هُوَ أَعْلَمُ
منك
بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
الموصل إلى وحدة ذاته
وَهُوَ أَعْلَمُ
أيضا
بِالْمُهْتَدِينَ
منهم إذ قد قدر في سابق قضائه وحضرة علمه هدايتهم وضلالهم وكذا جميع ما جرى وسيجرى عليهم من شؤونهم وتطوراتهم على التفصيل بحيث لا يشذ عن حيطة حضرة علمه شيء منها وبعد ما امر سبحانه حبيبه بما امر من آداب الدعوة واخلاق الرسالة والنبوة ومراعاة حقوق الأنام والمداراة معهم أشار إلى المجاراة والمجازاة والقصاص والعقوبات الواقعة في امر الرسالة ووضع التشريع والتبليغ إذ هي مبنى على الأمر بترك المألوفات ورفض العادات والاعتقادات وترك التقليدات والتخمينات لذلك لا يخلو عن المنازعات والمخاصمات المؤدية إلى أنواع الجنايات فقال سبحانه مخاطبا له ولمن تبعه من المؤمنين
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
أيها المؤمنون منتقمين عنهم
فَعاقِبُوا
اى فعليكم ان تعاقبوا
بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
لا أزيد منه إذ الزيادة منافية لاعتدال الايمان والتوحيد
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
أيها المؤمنون على ما أصابكم من العقوبات وأعرضتم عن الانتقام صفحا وكظمتم الغيظ كظما
لَهُوَ
اى العفو والكظم
خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
الذين صبروا على ما أصابهم من المكاره المسترجعين إلى اللّه مسندين انزاله اليه سبحانه بلا رؤية الوسائل في البين بل هم يعدون العناء عطاء والترح فرحا والنقمة نعمة والمحنة منحة لصدور الكل من اللّه سبحانه بلا رؤية الأسباب العادية في البين وبعد ما قد خاطب وأوصى سبحانه للمؤمنين بالصبر والعفو على وجه العموم وترك الانتقام خص رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من بينهم بهذا الخطاب