تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
مطلبه العالي إلى مجرّد العمل والعبادة دون السّفر بالقلب إلى اللّه ليحصل له « 1 » ويفوز به فإنّه طالب لربّه تعالى طلبا تامّا بكلّ معنى واعتبار في عمله ، وعبادته ومناجاته ، ونومه ويقظته ، وحركته وسكونه ، وعزلته وخلطته وسائر أحواله ، فقد انصبغ قلبه بالتوجّه إلى اللّه تعالى أىّ ما صبغة . وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبّة الصّادقة ، فهم لا يقنعون بمجرّد رسوم الأعمال وبالاقتصار على الطلب حال العمل فقط . وأمّا أنفته من الثّقة بالأمل ، فإن الثقة توجب الفتور والتّوانى ، وصاحب هذه الهمّة من أهل ذلك ، كيف وهو طائر لا يصاد . والدّرجة الثالثة : همّة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات ، وتزول بالأعواض « 2 » والدّرجات ، وتنحو عن النّعوت « 3 » نحو الذات « 4 » . والتّصاعد عن المعاملات ليس المراد به تعطيلها بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها . ومعنى الكلام أنّ صاحب هذه الهمّة لا يقف على عوض ولا درجة ، فإنّ ذلك نزول من همّته ، ومطلبه أعلى من ذلك . فإن صاحب هذه الهمّة قد قصر همّته على المطلب الأعلى الّذى لا شئ أعلى منه ، والأعواض والدّرجات دونه ، وهو يعلم إذا حصل هناك « 5 » حصل له كلّ درجة عالية ، وأعواض « 6 » شتّى . وأمّا نحوها نحو الذات ، فالمراد به أنّ صاحب هذه الهمّة لا يقتصر على شهود الأفعال ولا الأسماء والصفات بل ينحو نحو
هامش
( 1 ) له : أي ما يريد من قرب ومعرفة ورضوان . ( 2 ) الأعواض : جمع عوض وهو البدل ، والمراد هنا النعم التي يسبغها اللّه ويخص بها عباده . ( 3 ) النعوت : الصفات وسيأتي بعد توضيح ذلك . ( 4 ) في ا ، ب : اللذات وما أثبتنا تقتضيه العبارة والكلمة مصحفة حيث ذكرت . ( 5 ) هناك : إشارة إلى مقام الأنس وحضرة الشهود . وللصوفية ترتيب لهذه المقامات لا يعرفها إلا من دار في فلكهم وشرب من كأسهم وفي الخوض فيها مزلة لغير المستبصرين . ( 6 ) في ا ، ب : عوض .