تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها ، وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولا ، ثم إنّ الشيء العظيم الذي يكون لفظه مزيّة يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول ، فحصل بين الشيء المطلوب ، وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه ، فلذلك سئل عنه بما استعارة ، وكأنه مجهول ، ومنه
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : 1 ، 2 ] ،
وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ
[ المطففين : 8 ] ، و
مَا الْعَقَبَةُ
[ البلد : 12 ] وشبهه .

فصل

قال الفراء : السؤال هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل ، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن بينهم سؤال ، قال تعالى :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ
[ الصافات : 50 ، 51 ] الآية ، وهذا يدل على التحدث .

فصل في نزول الآية

والضمير في
يَتَساءَلُونَ
ل « قريش » . روى أبو صالح عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال : كانت قريش تجلس لمّا نزل القرآن ، فتتحدث فيما بينهم ، فمنهم المصدق ، ومنهم المكذب به ، فنزلت
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
« 1 » . وقيل : « عم » قسم ، فشدد المشركون أين يختصمون ، بدليل قوله تعالى :
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
وهذا تهديد ، والتهديد لا يليق إلا بالكفار . فإن قيل : فما تصنع بقوله :
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
مع أنّ الكفّار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ فالجواب : لا نسلم اتفاقهم في إنكار الحشر ؛ لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني ، فمنهم من كان شاكّا فيه لقوله :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
[ فصلت : 50 ]
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] . ومنهم من ينكره ، ويقول :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام : 29 ] . ومنهم من يقرّ به لكنه ينكر نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم فقد حصل اختلافهم . وأيضا فهب أنّهم كانوا منكرين له ، لكن لعل اختلافهم في كيفية إنكاره ، فمنهم من أنكر ؛ لإنكاره الصانع المختار ، ومنهم من ينكره ؛ لاعتقاده أنّ إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها ، والقادر المختار إنما يكون قادرا على الممكن في نفسه . وقيل : الضمير في « يتساءلون » هم الكفّار والمؤمنون كانوا جميعا يتساءلون عنه ،
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 111 ) من طريق أبي صالح عن ابن عباس .