تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الاحتمال الثاني : وهو ألّا يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئا واحدا ، وفيه وجوه : أحدها : قال الزجاج ، واختاره القاضي : أن الثلاثة الأول هي الرياح ، فقوله تعالى :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد ، والعاصفات : ما اشتدّ عنها ، والنّاشرات : ما ينشر السحاب ، وقوله تعالى :
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
هم الملائكة الذين يفرّقون بين الحقّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمّلونه من القرآن والوحي ، وكذا قوله :
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً
أنها الملائكة المتحمّلون للذّكر الذي يلقونه إلى الرسل . فإن قيل : ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسم ؟ . قلت : الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقتهم وسرعة حركاتهم كالرياح . وثانيها : أن الآيتين الأوليين هما الرياح ، والثلاثة الباقية منهم الملائكة ؛ لأنها تنشر الوحي والدين ، ثم لذلك الوحي أثران : الأول : حصول الفرق بين المحق والمبطل . والثاني : ظهور ذكر اللّه في القلوب والألسنة ، ويؤكد هذا أنه قال :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً ،
ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو ، فقال : « والنّاشرات » وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء ، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة . قال ابن الخطيب « 1 » : ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائكة ، فقوله تعالى :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
ملائكة الرّحمة ، وقوله تعالى :
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
ملائكة العذاب ، والثلاثة الباقية آيات القرآن ؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح ، وتفرّق بين الحق والباطل ، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة .

فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم

قال القفال : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم ، والواو في بعض مبنيّ على أصل ، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلّق ، فإذا قيل : قام زيد فذهب ، فالمعنى : أنه قام ليذهب ، فكان قيامه سببا لذهابه ومتصلا به ، فإذا قيل : قام وذهب ، فهما خبران ، وكل واحد منهما قائم بنفسه ، لا يتعلق بالآخر . ثم إن القفال رحمه اللّه لما مهد هذا الأصل ، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه . قال ابن الخطيب « 2 » : وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها ، وأنا أنوع على هذا الأصل
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 30 / 236 . ( 2 ) السابق .