تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤

فصل في معنى الآية

والمعنى : يلقى الوحي إعذارا من اللّه تعالى وإنذارا إلى خلقه من عذابه . قاله الفراء . وروي عن أبي صالح قال : يعني الرسل يعذرون وينذرون . وروى سعيد عن قتادة : « عذرا » قال : عذرا للّه - تعالى - إلى خلقه ، ونذرا للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به « 1 » ، وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « عذرا » أي : ما يقبله اللّه - تعالى - من معاذير أوليائه ، وهي التوبة « أو نذرا » ينذر أعداءه « 2 » .

فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس

قال ابن الخطيب « 3 » : اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، إما أن يكون المراد منها جنسا واحدا ، أو أجناسا مختلفة ، فالأول فيه وجوه : أحدها : أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم اللّه - تعالى - إما لإيصال النّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله تعالى : « عرفا » إما أن يكون العرف هو الذي ضد النّكر ، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة ، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفا للكفّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين ، أو يكون العرف التّتابع ، وقوله تعالى :
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح ، أو يعصفون بروح الكافر ، يقال : عصف بالشيء إذا أباده ، وقوله تعالى :
وَالنَّاشِراتِ نَشْراً
أي : أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا الرحمة والعذاب ، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، وقوله تعالى :
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
أي : أنهم يفرقون بين الحق والباطل ، وقوله :
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً
أي أنهم يلقون الذّكر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن ، لقوله تعالى :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا
[ القمر : 25 ] ، وهذا الملقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمّي باسم الجمع تعظيما له . واعلم أن الملائكة أقسام : قسم يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء ، وقسم يرسل لكتابة أعمال بني آدم ، وقسم يرسل لقبض الأرواح ، وقسم يرسل بالوحي من سماء إلى سماء . الوجه الثاني : أن المراد بهذه الكلمات الخمس : الرياح ، أقسم اللّه - تعالى - بالرياح
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 382 ) . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 102 ) . ( 3 ) ينظر الرازي 30 / 230 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 64 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب