تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
لأنهم يتحركون في مراداتهم . قاله أبو البقاء « 1 » ، إلا أنّ الزمخشري أبطله ، فقال بعد أن حكاه « 2 » : « واستدلوا بنفر ورجال في سورة « الجنّ » ، وما أحقه لأن الجنّ سموا جنّا لاجتنانهم ، والناس ناسا لظهورهم من الإيناس ، وهو الإبصار ، كما سموا بشرا ، ولو كان يقع الناس على القبيلين ، وصح ذلك ، وثبت لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن ، وبعده عن التصنّع ، وأجود منه أن يراد بالنّاس : الناسي ، كقوله :
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ
[ القمر : 6 ] ، ثم يبين بالجنة والناس ؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق اللّه عز وجل » . الخامس : أنه بيان ل
الَّذِي يُوَسْوِسُ
على أنّ الشيطان ضربان : جني ، وإنسي ، كما قال :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام : 112 ] ، وعن أبي ذر ، أنه قال لرجل : هلّا استعذت من شياطين الإنس . السادس : أن يتعلق ب « وسوس » ، و « من » لابتداء الغاية ، أي : يوسوس في صدورهم من جهة الإنس ، ومن جهة الجن . السابع : أن « الناس » عطف على « الوسواس » ، أي : من شر الوسواس والناس ، ولا يجوز عطفه على « الجنّة » ؛ لأن النّاس لا يوسوسون في صدور النّاس ، إنما يوسوس الجن ، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس ، قاله مكي . الثامن : أن « من الجنّة » ، حال من « النّاس » ، أي : كائنين من القبيلين ، قاله أبو البقاء « 3 » ، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال ، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها ، لا الأول ، ولا ما بعده ، ثم قال : « وقيل : هو معطوف على الجنة » ، يريد : « والنّاس » الأخير معطوف على الجنة ، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفا على غير الجنة ؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه .

فصل في شياطين الإنس والجن

قال الحسن : هما شيطانان لنا : أما شيطان الجن ، فيوسوس في صدور الناس ، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية « 4 » . وقال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإنّ من الإنس شياطين فتعوذ باللّه من شياطين الجن والإنس « 5 » . وعن أبي ذر : أنه قال لرجل : هل تعوّذت باللّه من شياطين الإنس ؟ .
هامش
( 1 ) الإملاء 2 / 298 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 4 / 824 . ( 3 ) الإملاء : 2 / 298 . ( 4 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 180 ) . ( 5 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 722 ) ، وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر .