تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
اللّابث يقال لمن وجد منه اللبث ، ولا يقال : لبث إلا لمن شأنه اللبث ، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفكّ منه » . وما قاله الزمخشري أصوب . وأمّا قول مكيّ : اللبث ليس بخلقة ، فمسلم ، لكنه بولغ في ذلك ، فجعل بمنزلة الأشياء المختلقة . و « لابثين » اسم فاعل من « لبث » ، ويقويه أنّ المصدر منه « اللّبث » - بالإسكان - ك « الشرب » . قوله : « أحقابا » منصوب على الظرف ، وناصبه « لابثين » ، هذا هو المشهور ، وقيل : منصوب بقوله : « لا يذوقون » ، وهذا عند من يرى تقدم معمول ما بعد « لا » عليها وهو أحد الأوجه ، وقد مر هذا مستوفى في أواخر الفاتحة وجوّز الزمخشري أن ينتصب على الحال . قال : « وفيه وجه آخر : وهو أن يكون من : حقب عامنا إذا قلّ مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق ، فهو حقب وجمعه : « أحقاب » ، فينتصب حالا عنهم ، بمعنى : لابثين فيها حقبين جحدين » . وتقدم الكلام على الحقب في سورة « الكهف » « 1 » . قال القرطبي « 2 » : و « الحقبة » - بالكسر - : السّنة ، والجمع حقب ؛ قال متمم بن نويرة : [ الطويل ]
5075 - وكنّا كندماني جذيمة حقبة * من الدّهر حتّى قيل : لن يتصدّعا « 3 »
والحقب - بالضم والسكون - : ثمانون سنة . وقيل : أكثر من ذلك وأقل ، والجمع : « أحقاب » . قال الفراء : أصل الحقبة من الترادف والتتابع ، يقال : « أحقب » : إذا أردف ، ومنه الحقبة ، ومنه كل من حمل وزرا فقد احتقب ، فعلى هذا معناه : لابثين فيها أحقابا ، أي : دهورا مترادفة يتبع بعضهم بعضا .

فصل في تحرير معنى الآية

المعنى : ماكثين في النّار ما دامت الأحقاب ، وهي لا تنقطع ، فكلّما مضى حقب جاء حقب ، و « الحقب » - بضمتين - : الدّهر ، والأحقاب : الدهور ، والمعنى : لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها ، فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليها ، إذ في الكلام ذكر الآخرة ، كما يقال : أيّام الآخرة ، أي : أيام بعد أيام إلى غير نهاية ، أي : لابثين فيها أزمانا ودهورا ، كلّما مضى زمن يعقبه زمن ، ودهر يعقبه دهر ، هكذا أبدا من غير انقطاع ، فكأنه
هامش
( 1 ) الآية : 60 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 116 . ( 3 ) ينظر شعر متمم بن نويرة ص 111 ، والمفضليات ص 535 ، والقرطبي 19 / 116 ، ومجمع البيان 10 / 641 .