والحالة الرابعة : أن تنسف ؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة تارة في مواضعها في الأرض ، فترسل الرياح ، فتنسفها عن وجه الأرض ، فتطيّرها في الهواء كأنها مارة ، فمن نظر إليها يحسبها لتكاثفها أجسادا جامدة ، وهي في الحقيقة مارة ، إلا أن مرورها « 1 » بسبب مرور الرياح بها مندكّة منتسفة .
والحالة الخامسة : أن تصير سرابا ، أي : لأي شيء كما رؤي السراب من بعد .
قوله تعالى :
ش [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 21 إلى 30 ]
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 )
جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً ( 30 )
قوله تعالى :
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً
« مفعالا » من الرصد ، والرصد : كل شيء كان أمامك .
قرأ ابن يعمر وابن عمر والمنقري « 2 » : « أنّ جهنّم بفتح « أن » .
قال الزمخشريّ : على تعليل قيام الساعة ، بأن جهنم كانت مرصادا للطّاغين ، كأنّه قيل : كان ذلك لإقامة الجزاء ، يعني : أنه علّة لقوله تعالى :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
إلى آخره .
قال القفال « 3 » : في المرصاد قولان :
أحدهما : أنّ المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج : اسم للمكان الذي ينهج فيه ، أي : جهنم معدّة لهم فالمرصاد بمعنى المحل ، وعلى هذا فيه احتمالان :
الأول : أنّ خزنة جهنم يرصدون الكفّار .
والثاني : أن مجاز المؤمنين ، وممرهم على جهنم ، لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] ، فخزنة الجنة يسقبلون المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها .
القول الثاني : أنّ « المرصاد » « مفعال » من الرصد ، وهو « الترقب » بمعنى أنّ ذلك يكثر منه ، و « المفعال » من أبنية المبالغة ك « المعطاء ، والمعمار ، والمطعان » .
قيل : إنّها ترصد أعداء اللّه ، وتشتد عليهم لقوله تعالى : تكاد تميّز من الغيظ .
هامش
( 1 ) في أ : مورها .
( 2 ) ينظر : الكشاف 4 / 688 ، والمحرر الوجيز 5 / 425 ، والبحر المحيط 8 / 405 .
( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 12 .