تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
وقيل : المعنى في حقّ الأمة هو الرياء ، واللّه تعالى منع الكل من ذلك . فإن قيل : هل هذا نهي تحريم أو تنزيه ؟ . فالجواب : أن ظاهر النهي التحريم .

فصل في المقصود من الآية : [ « وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ »

] قال القفال « 1 » : يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعطي أحدا شيئا لطلب عوض سواء كان العوض زائدا أو ناقصا ، أو مساويا ، ويكون معنى قوله تعالى
تَسْتَكْثِرُ
، أي : طالبا للكثرة كارها أن ينتقص المال بسبب العطاء ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان ، وإنما حسنت هذه العبارة ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء ، فسمى طلب الثواب استكثارا ، حملا للشيء على أغلب أحواله ، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها ، فسمي الولد ربيبا ، ثم اتسع الأمر ، وإن كان حين تتزوج أمه كبيرا ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : السبب فيه أن يصير عطاء النبي صلى اللّه عليه وسلم خاليا عن انتظار العوض ، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصا مخلصا لوجه اللّه تعالى . قال القرطبي - رحمه اللّه « 2 » - : « أظهر الأقوال قول ابن عباس « لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال » يقال : مننت فلانا كذا ، أي : أعطيته ، ويقال للعطية : المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه للّه ، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم ما كان يجمع للدنيا ، ولهذا قال : « ما لي ممّا أفاء اللّه عليّ إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين ، ولهذا لم يورث » . قوله :
وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
التقديم على ما تقدم . وحسنه كونه رأس فاصلة موافيا لما تقدم .
وَلِرَبِّكَ
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن تكون لام العلة ، أي : لوجه ربّك فاصبر ، أي : على أذى الكفار وعلى عبادة ربك ، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه ، والمصبور عنه للعلم بهما ، والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام . والثاني : أن يضمن « صبر » معنى : « أذعن » ، أي : أذعن لربّك ، وسلم له أمرك صابرا ، لقوله تعالى :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
[ القلم : 48 ] . قوله تعالى :

[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 8 إلى 10 ]

فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ( 10 ) قوله :
فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
.
هامش
( 1 ) ينظر الفخر الرازي 30 / 172 . ( 2 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 19 / 45 .