تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
وإن قيل : « لا » نافية للقسم ، فجوابه كجواب القسم . « إنه » يعني القرآن
« لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ »
يعني جبريل . قاله الحسن والكلبي ومقاتل « 1 » ، لقوله :
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ
[ التكوير : 19 ، 20 ] . وقال الكلبي أيضا والقتبي : الرسول هنا محمد صلى اللّه عليه وسلم لقوله :
« وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ »
، وليس القرآن من قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم إنما هو من قول اللّه - عز وجل - ونسب القول إلى الرسول ، لأنه تاليه ومبلغه والعامل به ، كقولنا : هذا قول مالك « 2 » . فإن قيل : كيف يكون كلاما للّه تعالى ، ولجبريل ، ولمحمد عليهما الصلاة والسلام ؟ فالجواب : أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة ، فاللّه سبحانه أظهره في اللوح المحفوظ ، وجبريل بلغه لمحمد - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد صلى اللّه عليه وسلم بلغه للأمة . قوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ
هو جواب القسم ، وقوله :
وَما هُوَ بِقَوْلِ
معطوف على الجواب ، فهو جواب . أقسم على شيئين : أحدهما : مثبت ، والآخر : منفي ، وهو من البلاغة الرائعة . قوله :
قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ
،
قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
. انتصب « قليلا » في الموضعين نعتا لمصدر ، أو زمان محذوف ، أي : إيمانا أو زمانا قليلا ، والنّاصب : « يؤمنون » و « تذكرون » و « ما » مزيدة للتوكيد . وقال ابن عطية : ونصب « قليلا » بفعل مضمر يدل عليه : « تؤمنون » ، و « ما » يحتمل أن تكون نافية ، فينتفي إيمانهم البتة ، ويحتمل أن تكون مصدرية ، وتتصف بالقلة ، فهو الإيمان اللغوي ؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا ، إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي يأمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو حقّ وصواب . قال أبو حيّان « 3 » : أما قوله : « قليلا نصب بفعل » إلى آخره ، فلا يصح ؛ لأن ذلك الفعل الدال عليه « تؤمنون » إما أن تكون « ما » نافية - كما ذهب إليه - أو مصدرية ، فإن كانت نافية فذلك الفعل المضمر الدال عليه « تؤمنون » المنفي ب « ما » يكون منفيا ، فيكون التقدير : ما تؤمنون قليلا ما تؤمنون ، والفعل المنفي ب « ما » لا يجوز حذفه ، ولا حذف ما ، لا يجوز « زيدا ما أضربه » على تقدير : « ما أضرب زيدا ما أضربه » ، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفع ب « قليلا » على الفاعلية ، أي : قليلا إيمانكم ، ويبقى « قليلا » لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له ، وإما في موضع رفع على الابتداء ؛ فيكون مبتدأ لا خبر له ، لأن ما قبله منصوب .
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق . ( 2 ) ينظر المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 328 .