تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وأجاب الجبائيّ : بأن معنى قوله :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
أي : إلى العذاب
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
في الآخرة ،
وَأُمْلِي لَهُمْ
في الدنيا توكيدا للحجة عليهم
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
فأمهله ، وأزيح الأعذار عنه
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[ الأنفال : 42 ] ، ويدل على هذا قوله قبل ذلك :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ
ولا شك أن هذا التهديد إنما هو بعذاب الآخرة ، فوجب أن يكون الاستدراج والكيد المذكور عقيبه هو عذاب الآخرة وأجاب الأصحاب : أن هنا الإمهال إذا كان مؤديا إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان لا بد وأن يكون راضيا بذلك الطغيان . قوله :
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً
. عاد الكلام إلى ما تقدم من قوله تعالى :
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ
أي : أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من الإيمان باللّه ، والمغرم : الغرامة فهم من غرامة ذلك مثقلون ، أي : يثقل حمل الغرامات عليهم في بذل المال ، فيثبطهم ذلك عن الإيمان . والمعنى : ليس عليهم كلفة في متابعتك ، بل يستولون بالإيمان على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم . قوله :
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ
، أي : علم ما غاب عنهم
فَهُمْ يَكْتُبُونَ
. وقيل : أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون ، وعن ابن عباس : الغيب هنا هو اللوح المحفوظ ، فهم يكتبون منه ثواب ما هم عليه من الكفر ، ويخاصمونك به ، ويكتبون أنهم أفضل ، وأنهم لا يعاقبون « 1 » . وقيل : « يكتبون » أي : يحكمون ما يريدون ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار . قوله تعالى :

[ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 52 ]

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) قوله
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
أي : لقضاء ربّك ، والحكم هنا القضاء . وقيل : اصبر على ما حكم به عليك ربّك من تبليغ الرسالة . وقال ابن بحر : فاصبر لنصر ربك . وقيل : منسوخ بآية السيف
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
يعني يونس - عليه السلام - أي : لا تكن مثله في الغضب ، والضجر ، والعجلة . وقال قتادة : إن اللّه تعالى يعزي نبيه صلى اللّه عليه وسلم ويأمره بالصبر ، ولا يعجل كما عجل يونس
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 305 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب