تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وجوابه : ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك منها . وقال أيضا : وقيل : هو معطوف عليها ، و « ابتدعوها » نعت له ، والمعنى : فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها ، ولهذا قال :
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ .
والوجه الثاني : أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظّاهر . وقال أبو علي « 1 » : « ابتدعوها رهبانية » ، وتكون المسألة من باب الاشتغال ، وإليه نحا الفارسي والزمخشري « 2 » ، وأبو البقاء « 3 » وجماعة . إلّا أن هذا يقال : إنه إعراب المعتزلة « 4 » ، وذلك أنهم يقولون : ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له ، فالرأفة والرحمة لما كانت من فعل اللّه نسب خلقهما إليه ، والرهبانية لمّا لم تكن من فعل اللّه - تعالى - بل من فعل العبد يستقلّ بفعلها نسب ابتداعها إليه . ورد عليهم أبو حيّان « 5 » هذا الإعراب من حيث الصناعة ، وذلك أن من حق الاسم المشتغل عنه ألّا يصلح للرفع بالابتداء . و « رهبانية » نكرة لا مسوغ للابتداء بها ، فلا يصلح نصبها على الاشتغال . قال شهاب الدين « 6 » : وفيه نظر لأنا لا نسلم أولا اشتراط ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها
[ النور : 1 ] بالنصب على الاشتغال ، كما تقدم تحقيقه ، ولئن سلمنا ذلك فثمّ مسوغ وهو العطف ، ومن ذلك قول الشّاعر : [ البسيط ]
4726 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي * فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا ؟ « 7 »
وقول الآخر : [ الطويل ]
4727 - تغشّى ونجم قد أضاء فمذ بدا * محيّاك ، أخفى ضوءه كلّ شارق « 8 »
ذكر ذلك ابن مالك . و « الرّهبانية » : منسوبة إلى « الرّهبان » ، وهو « فعلان » من رهب ، كقولهم : الخشيان من خشي ، وقد تقدم معنى هذه المادة في سورة « المائدة » . وقرىء « 9 » بضم الراء .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 6 / 281 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 4 / 482 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 2 / 1211 . ( 4 ) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 270 ، والبحر المحيط 8 / 226 ، والدر المصون 6 / 281 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 226 . ( 6 ) الدر المصون 6 / 281 . ( 7 ) تقدم . ( 8 ) تقدم . ( 9 ) ينظر : الكشاف 4 / 481 ، والفخر الرازي 29 / 213 ، والبحر المحيط 8 / 227 ، والدر المصون 6 / 281 .