تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
تحرثون من أرضكم ، فتطرحون فيها البذر ، أأنتم تنشئونه ، وتجعلونه زرعا ، فيكون فيه السّنبل والحب ، أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم البذر وشقّ الأرض ؟ فإذا أقررتم بأن إخراج السّنبلة من الحبّة ليس إليكم ، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم ؟ . وأضاف الحرث إليهم ، والزّرع إليه تعالى ؛ لأنّ الحرث فعلهم ، ويجري على اختيارهم ، والزرع من فعل اللّه - تعالى - وينبت على اختياره لا على اختيارهم « 1 » . وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يقولنّ أحدكم : زرعت ، وليقل حرثت ، فإنّ الزّارع هو اللّه » . قال أبو هريرة : ألم تسمعوا قول اللّه تعالى :
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
« 2 » . قال القرطبي « 3 » : « والمستحبّ لكل من زرع أن يقرأ بعد الاستعاذة :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
الآية ، ثم تقول : بل اللّه هو الزارع ، والمنبت والمبلغ ، اللهم صل على محمد ، وارزقنا ثمره ، وجنّبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشّاكرين ، ويقال : إنّ هذا القول أمان لذلك الزّرع من جميع الآفات : الدّود والجراد وغير ذلك ، سمعناه من ثقة وجرّبناه فوجدناه كذلك » . فإن قيل : إذا كان الزّارع هو اللّه ، فكيف قال تعالى :
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
[ الفتح : 29 ] . وقال عليه الصلاة والسلام : « الزّرع للزّارع » ؟ « 4 » . فالجواب « 5 » : أن الحرث أوائل الزّرع ، والزرع أواخر الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر لاتّصاله به . ومعنى :
« أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ »
، تجعلونه ، وقد يقال : فلان زرّاع كما يقال : حرّاث أي : يفعل ما يؤول إلى أن يصير زرعا ، وقد يطلق لفظ الزّرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا . قال القرطبي « 6 » : « وهذا نهي إرشاد وأدب ، لا حظر وإيجاب » .
هامش
( 1 ) ينظر : القرطبي 17 / 141 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 11 / 652 ) والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 4 / 311 - 312 ) رقم ( 5217 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 130 ) وزاد نسبته إلى البزار وابن مردويه وأبي نعيم من حديث أبي هريرة . ( 3 ) ينظر : القرطبي 27 / 141 . ( 4 ) ذكره الصنعاني في « سبل السلام » ( 3 / 60 ) وقال : لم يخرجه أحد وكذلك الشوكاني في « نيل الأوطار » ( 5 / 272 ) وقال ولم أقف عليه . ( 5 ) ينظر : التفسير الكبير 29 / 157 . ( 6 ) الجامع لأحكام القرآن 17 / 141 .