تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وقيل : يغشاها أنوار اللّه ؛ لأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لما وصل إليها تجلّى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل الجبل دكّا ولم تتحرك الشجرة ، وخرّ موسى صعقا ولم يتزلزل محمد . وقيل : أبهمه تعظيما له « 1 » . والغشيان « 2 » يكون بمعنى التغطية والسّتر ومنه الغواشي « 3 » ، ويكون بمعنى الإتيان ، يقال : فلان يغشاني كلّ وقت أي يأتيني .

فصل [ في خصائص السدرة ]

قال الماوردي في معاني القرآن : قيل : لما اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر ؟ قال : لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف : ظلّ مديد ، وطعم لذيذ ، ورائحة زكية فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية ، فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه وطعمها بمنزلة النية لكمونه ، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره . وروى أبو الدرداء عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « من قطع سدرة صوّب اللّه رأسه في النّار » وسئل أبو الدرداء عن معنى هذا الحديث فقال : هو مختصر بمعنى من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السّبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوّب اللّه رأسه في النّار « 4 » . قوله :
( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى )
اللام في البصر يحتمل وجهين : أحدهما : المعروف أي ما زاغ بصر محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى هذا فقدم الزيغ لوجوه إن قيل : بأن الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحانا لمحمد - عليه الصلاة والسلام - وإن قيل إنّ الغاشي أنوار اللّه تعالى ففيه وجهان : أحدهما : معناه لم يلتفت يمنة ويسرة بل اشتغل بمطالعتها . والثاني : ما زاغ البصر بصعقة ، بخلاف موسى - « عليه الصلاة والسلام - » فإنه قطع النظر وغشي عليه ، ففي الأول بيان أدب محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - وفي الثاني بيان قوّته . الوجه الثاني : لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الوضع لعظم هيبته . فإن قيل : لو كان كذلك « 5 » لقال : ما زاغ بصر ، فإنه أدل على العموم ، لأن النكرة في معرض النفي تعمّ .
هامش
( 1 ) وانظر الرازي المرجع السابق . ( 2 ) ضبطت غشيان وغشيان بفتح الأول والثاني وكسره وسكون الثاني . ( 3 ) للغواشي - جمع غاش - معان كثيرة ، فهم السؤال الذين يغشون يرجون الفضل والثّواب ومعناهم الأصدقاء والزوار ولها معان أخر ذكرها صاحب اللسان . وانظر اللسان غشا 3261 . ( 4 ) انظر القرطبي 17 / 97 . ( 5 ) أي لتعريف الجنس .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 174 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب