تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
قوله :
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
، قال ابن عباس - ( رضي اللّه عنهما ) - بعث اللّه رسوله محمدا - صلّى اللّه عليه وسلم - بشهادة أن لا إله إلّا اللّه ، فلما صدقوا زادهم الصلاة ، ثم الزكاة ، ثم الصّيام ، ثم الحجّ ، ثم الجهاد حتى أكمل لهم دينهم وكلّما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم . وقال الضحاك : يقينا مع يقينهم « 1 » ، وقيل : أنزل السكينة عليهم فصبروا ورأوا عين اليقين ما علموا من النصر علم اليقين إيمانا بالغيب فازدادوا إيمانا مستفادا من الغيب مع إيمانهم المستفاد من الشهادة . وقيل : ازدادوا إيمانا بالفروع مع إيمانهم بالأصول فإنهم آمنوا بأن محمدا رسول اللّه ، فإن اللّه واحد ، والحشر كائن فآمنوا بأن كلّ ما يقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - فهو صدق ، وكلّ ما يأمر اللّه تعالى به فهو واجب . وقيل : ازدادوا إيمانا استدلاليّا مع إيمانهم الفطري . فإن قيل : ما الحكمة في قوله في حق الكفار :
« إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً »
ولم يقل مع كفرهم وقال في حق المؤمنين :
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
؟ فالجواب : أن كفر الكافر عناديّ ، وليس في الوجود كفر فطريّ ، ولا في الوجود كفر عناديّ لينضمّ إلى الكفر الفطري بل الكفر ليس إلا عنادا وكذلك الكفر بالفروع لا يقال : انضم إلى الكفر بالأصول ، لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد ، ولهذا قال :
« لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ »
. قوله :
« وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
فهو قادر على إهلاك عدوّهم بجنود ، بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب . والمراد بجنود السماوات والأرض الملائكة ، وقيل : جنود السماوات الملائكة وجنود الأرض الجنّ والحيوانات . وقيل : الأسباب السماوية .
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً »
لما قال :
« وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وعددهم غير محصور فقال « عليما » إشارة إلى أنه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض . وقيل : لما ذكر القلوب بقوله :
« أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ »
والإيمان الذي من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السّرّ وأخفى . وقوله « حكيما » بعد « عليما » إشارة إلى أنه يفعل على وفق العلم ، فإن الحكيم من يعمل شيئا متقنا وبعلمه « 2 » . قوله تعالى :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
في متعلق هذه اللام أربعة أوجه : أحدها : محذوف تقديره : يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخبر ممن أهّله له والشّرّ ممن قضى له به ليدخل ويعذب .
هامش
( 1 ) القرطبي 16 / 264 . ( 2 ) وانظر في هذا كله المرجع السابق 28 / 81 .