تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
فيقال لهم : أليس هذا بالحقّ قالوا بلى فقوله : أليس هذا معمول لقول مضمر « 1 » هو حال كما تقدم في نظيره « 2 » . والمقصود من هذا الاستفهام التهكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد اللّه تعالى ووعيده . فيقال لهم
« فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. قوله تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
الفاء في قوله « فاصبر » عاطفة هذه الجملة على ما تقدم « 3 » ، والسببية « 4 » فيها ظاهرة . واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثّلاثة وهي التوحيد والنبوة وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - وذلك لأن كانوا يؤذونه ويوجسون « 5 » صدره فقال تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ
أي أولو الجدّ والصّبر والثّبات « 6 » وقال ابن عباس - ( رضي اللّه عنهما ) - أولو الحزم « 7 » . قوله :
« مِنَ الرُّسُلِ »
يجوز أن تكون من تبعيضية ، وعلى هذا فالرّسل أولو عزم وغير أولي عزم . ويجوز أن يكون للبيان فكلهم على هذا أولو عزم « 8 » . قال ابن زيد : كلّ الرّسل كانوا أولى عزم ولم يبعث اللّه نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ، ورأي وكمال عقل . وإنما دخلت من للتّجنيس « 9 » لا للتبعيض كما يقال اشتريت ( أكسية ) « 10 » من الخزّ وأردية من البزّ « 11 » . وقيل : الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلة كانت منه ، ألا ترى أنه قيل للنبي - صلّى اللّه عليه وسلم - :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
[ القلم : 48 ] وقيل هم نجباء الرسل ، وهم المذكورون في سورة الأنعام ، وهم ثمانية عشر « 12 » لقوله بعد ذكرهم :
« أُولئِكَ الَّذِينَ
هداهم
اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ »
« 13 » . وقال الكلبي : هم الذين أمروا بالجهاد ، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين « 14 » وقيل : هم ستة : نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ،
هامش
( 1 ) قاله الفراء في معاني القرآن 3 / 57 والزمخشري في الكشاف 3 / 528 وأبو حيان في البحر 8 / 68 . ( 2 ) وهو قوله :« وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ »وهي الآية 20 من نفس السورة . ( 3 ) من أخبار الكفار في الآخرة والمعنى بينهما مرتبط أي هذه حالهم مع اللّه فلا تستعجل أنت واصبر ولا تخف إلّا اللّه . وهو قول أبي حيان في البحر المرجع السابق . ( 4 ) وهذا لا يمنع كونها عاطفة فالسببية أكثر من العاطفة . ( 5 ) في ب ويوحشون . ( 6 ) انظر الرازي 28 / 35 . ( 7 ) القرطبي 16 / 220 . ( 8 ) قاله الزمخشري في الكشاف 3 / 528 وأبو حيان في البحر 8 / 68 . ( 9 ) في ب للجنس . ( 10 ) زيادة على النسختين لازمة . ( 11 ) نسب هذا الرأي القرطبي في الجامع لابن عباس . ( 12 ) الآية 90 منها . ( 13 ) القرطبي السابق . ( 14 ) القرطبي السابق أيضا وقد ذكر رحمة اللّه عليه كثيرا من الآراء في تفسيره العظيم انظر الجامع 16 / 220 و 221 .