تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيّنات « 1 » وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق « 2 » يفاجئهم ، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد « 3 » في النظر والاستدلال ، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد . ولما كان الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثرا قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة ؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه « 4 » ؟ ! . قوله :
« لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ »
إنما ذكر « قريب » وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النّسب أي ذات قرب « 5 » ، أو على حذف مضاف ، أي مجيء الساعة « 6 » . وقيل للفرق بينها وبين قرابة النسب « 7 » . وقيل : لأن تأنيثها مجازي نقله مكي « 8 » . وليس بشيء ؛ إذ لا يجوز : الشمس طالع ، ولا القدر فائر ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلّقة للدراية . وتقدم مثله آخر الأنبياء « 9 » .

فصل [ في نزول الآية : « يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها . . . »

] قال مقاتل : ذكر النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين : متى تكون الساعة ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها
ظنا منهم أنهم غير آتية
« وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ »
خائفون
« مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ »
أي أنها آتية لا ريب فيها ، ثم قال :
« أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ »
يخاصمون . وقيل : يدخلهم المرية والشك « 10 » في « وقوع الساعة » لفي ضلال بعيد ؛ لأن استيفاء « 11 » حقّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى اللّه عز وجل ، وهذا من أمحل المحالات ، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالا بعيدا . قوله تعالى :
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
قال ابن عباس - ( رضي اللّه عنهما ) - : حفيّ
هامش
( 1 ) في ب البيانات جمع بيان وما في أهنا موافق لما في الرازي بينات جمع بينة . ( 2 ) في الرازي : متى تفاجئهم . ( 3 ) وفيه : أن يجدّ ويجتهد . ( 4 ) وانظر الرازي 27 / 159 . ( 5 ) ذكر هذه الأوجه ابن الأنباري في البيان 2 / 346 ومكي في المشكل 2 / 277 ، وانظر التبيان 1132 . ( 6 ) ذكره الزمخشري في كشافه 3 / 495 والسمين في الدر 4 / 750 . ( 7 ) في النسختين قراءة النسب وهو تصحيف والأصح ما كتبته أعلى . ( 8 ) مشكل إعراب القرآن 2 / 276 والبيان 2 / 346 وقد قال بالتأنيث المجازي الزجاج في معاني القرآن وإعرابه 4 / 396 والقرطبي في الجامع 16 / 15 . ( 9 ) من قوله :وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ[ الأنبياء : 111 ] . وانظر اللباب 6 / 353 ب ميكروفيلم . ( 10 ) انظر البغوي والخازن 6 / 120 . ( 11 ) هذا قول الرازي في تفسيره 27 / 160 .