فصل [ في معنى الآية : « جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ »
]
المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالك و « ما » صلة مهزوم مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد ، يعني قريشا ، قال قتادة : أخبر اللّه تعالى نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو بمكة أنه سيزم جند المشركين فقال :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
[ القمر : 45 ] فجاء تأويلها يوم بدر ، وهنالك إشارة إلى ( يوم ) « 1 » بدر ومصارعهم ، وقيل : يوم الخندق « 2 » . وقال ابن الخطيب : والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين « 3 » في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح .
وقوله :
« مِنَ الْأَحْزابِ »
أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية « 4 » الذين تحزّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا .
قوله تعالى :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 12 إلى 17 ]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ( 14 ) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 )
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 )
ثم قال لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - معزيا له :
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ »
قال ابن عباس ومحمد بن كعب : ذو البناء المحكم ، وقيل : أراد ذو الملك الشديد الثابت « 5 » ، وقال القتيبيّ « 6 » : تقول العرب : هم في عزّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد ، وقال الضحاك : ذو القوة والبطش ، وقال عطية : ذو الجنود والجموع الكثيرة ، وسميت الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها « 7 » في أسفارهم .
وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد « 8 » الشيء . وهذه استعارة بليغة حيث شبه الملك ببيت الشّعر ، وبيت الشعر لا يثبت إلا بالأوتاد والأطناب « 9 » كما قال الأفوه الأودي :
4253 - والبيت لا يبتنى إلّا على عمد * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد « 10 »
هامش
( 1 ) سقط من ب .
( 2 ) وانظر : معالم التنزيل للبغوي 6 / 42 .
( 3 ) في ب : مهزومين وما هنا موافق للرازي .
( 4 ) في ب : العضاضية لحن وتحريف وانظر الرازي 26 / 181 .
( 5 ) البغوي 6 / 42 .
( 6 ) الغريب 377 .
( 7 ) كذا هي في البغوي وفي أهنا وما في ب يوقدونها .
( 8 ) معالم التنزيل للبغوي 6 / 42 .
( 9 ) قال في اللسان : « الطّنب والطّنب حبل الخباء والأطناب ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق » . اللسان ( طنب ) 2708 وانظر : الدر المصون 4 / 594 .
( 10 ) له من بحر البسيط وأتى به شاهدا على أن المعنوي شبه بالحسي عن طريق الاستعارة وعلى أن الجامع -