تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
راجع إلى اللّه بقلبه . ثم إنه تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود « 1 » كما قال تعالى عنه :
« فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ » .
قوله تعالى :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 14 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا »
فقوله : « منّا » إشارة إلى بيان فضل داود لأن قوله :
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا »
مستقبل « 2 » بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتى الملك زيدا خلعة ، فإذا قال القائل : آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاصّ ما يكون له فكذلك إيتاء اللّه الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ، ونظيره قوله تعالى :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[ التوبة : 21 ] فإنّ رحمة اللّه واسعة تصل إلى كل أحد لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصّه « 3 » ، والمراد بالفضل النبوة والكتاب ، وقيل : الملك ، وقيل : جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خصّ به « 4 » . قوله : « يا جبال » محكيّ بقول مضمر « 5 » ، ثم إن شئت قدرته مصدرا ويكون بدلا من « فضلا » على جهة تفسيره به كأنه قيل : آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، وإن « 6 » شئت جعلته مستأنفا . قوله : « أوّبي » العامة على فتح الهمزة ، وتشديد الواو ، أمرا من التّأويب وهو
هامش
( 1 ) الفخر الرازي 25 / 244 و 245 . ( 2 ) في « ب » هكذا وما في « أ » والفخر الرازي مستقل وهو الأصح . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) البغوي والخازن 5 / 282 و 283 . ( 5 ) هذا قول أبي البقاء في التبيان 1064 والزجاج في معاني القرآن وإعرابه 4 / 243 والدر المصون 4 / 416 . ( 6 ) الحق أن الاستئناف لا يجوز إلا بعد أن يقدر القول المضمر هذا ومن الإمكان أن يقدر مصدرا أو فعلا فإن قدر فعلا لنا فيه وجهان : أحدهما : ما ذكره وهو الاستئناف . والثاني : جعله بدلا من « آتينا » فكلمة الجبال محكية بقول إما مصدر وإما فعل . انظر ذلك في الكشاف 3 / 281 والدر المصون 4 / 416 والبحر 7 / 262 .