ومنها : أنه يصير قوله :
« أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
مفلّتا ضائعا ، لأنّ « 1 » « يحذر » يتعدى لواحد ، وقد أخذه على زعمكم ، وهو الذين « 2 » يخالفون ولا يتعدى إلى اثنين حتى يقولوا : إن « 3 »
« أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ »
في محل مفعوله « 4 » الثاني ، فيبقى ضائعا . وفيه نظر ، لأنّا « 5 » لا نسلّم ضياعه ، لأنه مفعول من أجله . واعترض على هذا بأنه لا يستكمل شروط النصب لاختلاف الفاعل ، لأن فاعل الحذر غير فاعل الإصابة .
وهو ضعيف ، لأن حذف حرف الجر يطرد مع « أنّ » و « أن » منقول مسلم : شروط النصب غير موجودة ، وهو مجرور باللام تقديرا ، وإنما حذفت مع « 6 » أن لطولها بالصلة .
و « يخالفون » يتعدى بنفسه نحو : خالفت أمر زيد ، وب « إلى » نحو : خالفت إلى كذا ، فكيف تعدّى هذا بحرف المجاورة ؟ وفيه أوجه :
أحدها : أنه ضمّن معنى « صدّ » و « أعرض » أي : صدّ عن أمره ، وأعرض عنه مخالفا « 7 » له .
الثاني : قال ابن عطية : معناه : يقع خلافهم بعد أمره ، كما تقول : كان المطر عن ريح كذا ، و « عن » لما عدا الشئ « 8 » .
الثالث : أنها مزيدة ، أي : يخالفون أمره ، وإليه نحا الأخفش « 9 » وأبو عبيدة « 10 » .
والزيادة خلاف الأصل . وقرىء : « يخلّفون » بالتشديد « 11 » ، ومفعوله محذوف ، أي :
يخلّفون « 12 » أنفسهم .
فصل : [ في معنى : « فليحذر الذين يخالفون » ]
المعنى : « فليحذر الّذين يخالفون » أي : يعرضون « عن أمره » ، أو يخالفون أمره وينصرفون عنه « 13 » بغير إذنه
« أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ »
أي : لئلا تصيبهم فتنة .
قال مجاهد : بلاء في الدنيا .
« أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
وجيع في الآخرة . والضمير في « أمره » يرجع إلى « الرسول » . وقال أبو بكر الرازي : الأظهر أنه للّه تعالى « 14 » لأنه يليه .
هامش
( 1 ) في ب : أن .
( 2 ) في ب : الذي .
( 3 ) إن : سقط من ب .
( 4 ) في ب : مفعول .
( 5 ) في النسختين : لأنه .
( 6 ) في ب : وإنما حذفت إلا مع . وهو تحريف .
( 7 ) له : سقط من ب . وانظر البحر المحيط 6 / 472 .
( 8 ) تفسير ابن عطية 10 / 556 .
( 9 ) لم أعثر على هذا في معاني القرآن للأخفش وهو في البحر المحيط 6 / 477 .
( 10 ) قال أبو عبيدة : (« الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ »مجازه يخالفون أمره سواء وعن زائدة ) مجاز القرآن 2 / 69 .
( 11 ) المختصر ( 103 ) ، البحر المحيط 6 / 477 .
( 12 ) في ب : يحلقون . وهو تصحيف .
( 13 ) في ب : فيه .
( 14 ) انظر الفخر الرازي 24 / 40 ، البحر المحيط 6 / 477 .