الطاعة وإن عصوا ، ولأن قوله :
« يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا »
، أي : لكي لا تعودوا لمثله ، وذلك يدل على الإرادة ، وتقدم الجواب عنه « 1 » مرارا « 2 » .
فإن قيل : هل يجوز أن يسمى اللّه واعظا لقوله :
« يَعِظُكُمُ اللَّهُ »
؟ فالأظهر أنه لا يجوز ، كما لا يجوز أن يسمى اللّه معلما لقوله :
« الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ »
« 3 » » « 4 » .
قوله تعالى :
[ سورة النور ( 24 ) : آية 19 ]
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 )
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ »
الآية .
لمّا بين ما على الإفك وعلى من سمع منه وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ »
ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا كما شارك فيه من فعله « 5 » .
والإشاعة : الانتشار ، يقال : في هذا العقار سهم شائع : إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلا . وشاع الحديث : إذا ظهر في الجميع ولم يكن منفصلا . وشاع الحديث :
إذا ظهر في العامة « 6 » . والمعنى :
« إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ »
أن يظهر ويذيع الزنا
« فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ »
يعني : عبد اللّه بن أبي وأصحابه المنافقين والعذاب في الدنيا : الحد . وفي الآخرة : النار .
وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة .
والآية إنما نزلت في قذفة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب « 7 » ثم قال :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
وهذا حسن الموقع في هذا الموضع ، لأن محبة القلب كافية ونحن لا نعلمها إلا بالإبانة ، وأما اللّه - سبحانه - فإنه لا يخفى عليه ، وهذا نهاية في الزجر ، لأن من أحبّ إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن اللّه يعلم ذلك منه ، ويعلم قدر الجزاء عليه « 8 » .
وهذه الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم ذنب ، وأن إرادة الفسق فسق ، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبّة إشاعة الفاحشة .
فصل : [ في قول المعتزلة : إن اللّه بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ]
قالت المعتزلة : إن اللّه بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ، فلو كان تعالى هو
هامش
( 1 ) في ب : فيه .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 182 .
( 3 ) [ الرحمن : 1 ، 2 ] .
( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 182 .
( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 183 .
( 6 ) المرجع السابق .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 184 .
( 8 ) المرجع السابق .