ومالي وولدي . فقال عليه السلام « 1 » : « إن الإسلام لا يقال ، إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة » ونزلت هذه الآية « 2 » . وهاهنا إشكال ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن هذه السور مكيّة إلا ست آيات ذكروها أولها
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
إلى قوله
صِراطِ الْحَمِيدِ
« 3 » ولم يعدوا هذه الوقائع ( التي ذكروها في سبب نزول هذه الآية مع أنهم يقولون « 4 » إن هذه الوقائع ) « 5 » إنما كانت بالمدينة كما تقدم النقل عنهم . فإن قيل : كيف قال :
« وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ »
والخير أيضا فتنة ، لأنه امتحان .
قال تعالى :
« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً »
« 6 » .
فالجواب : مثل هذا كثير في اللغة ، لأن النعمة بلاء وابتلاء قال تعالى
« فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ »
« 7 » ولكن إنما يطابق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع ، والمنافق ليس عنده الخير إلا « 8 » الخير الدنيوي ، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي ، لأنه لا دين له ؛ فلذلك وردت الآية على ما يعتقده « 9 » . فإن قيل : إذا كانت الآية في المنافق فما معنى « 10 » قوله
« انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ »
وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب .
فالجواب « 11 » أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره ، فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة « 12 » . فإن قيل : مقابل الخير هو الشر فلما قال
« فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ »
كان يجب أن يقول : وإن أصابه شرّ انقلب على وجهه « 13 » .
فالجواب : لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى : وإن أصابه شرّ بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح « 14 » .
قوله :
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
قرأ العامة « خسر » فعلا ماضيا ، وهو يحتمل ثلاثة أوجه :
الاستئناف « 15 » ، والحالية من فاعل « انقلب » « 16 » ، ولا حاجة إلى إضمار ( قد ) على الصحيح « 17 » .
هامش
( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 2 ) أخرجه ابن مردويه من طريق عطية عن أبي سعيد رضي اللّه عنه . انظر أسباب النزول للواحدي ( 228 ) ، الفخر الرازي 23 / 14 ، الدر المنثور 4 / 346 ، والكافي الشافي ( 112 ) .
( 3 ) من الآية ( 19 ) إلى الآية ( 24 ) .
( 4 ) في ب : يقولوا . وهو تحريف .
( 5 ) ما بين القوسين سقط من ب .
( 6 ) من قوله تعالى :كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ[ الأنبياء : 35 ] .
( 7 ) [ الفجر : 15 ] .
( 8 ) في الأصل : لأن . وهو تحريف .
( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 14 - 15 .
( 10 ) معنى : تكملة من الفخر الرازي .
( 11 ) في ب : والجواب .
( 12 ) انظر الفخر الرازي 23 / 15 .
( 13 ) في ب : عانيه . وهو تحريف .
( 14 ) انظر الفخر الرازي 23 / 15 .
( 15 ) انظر التبيان 2 / 934 ، البحر المحيط 6 / 355 .
( 16 ) المرجعان السابقان .
( 17 ) وذلك أن جملة الحال إذا كانت مصدرة بفعل ماض مثبت متصرف غير تال ل ( إلا ) ، أو متلو بأو ، -