واحتج الشافعي بأن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - رجم ماعزا والغامدية ولم يحضر رجمهما « 1 » وأما تسميته عذابا فإنه يدل على أنه عقوبة ، ويجوز أن يسمى عذابا لأنه يمنع المعاودة ، كما يسمى نكالا لذلك « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة النور ( 24 ) : آية 3 ]
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 )
قرأ أبو البرهسيم « 3 » « وحرّم » مبنيا للفاعل مشددا « 4 » . وزيد بن علي « 5 » « حرم » بزنة كرم « 6 » . واختلفوا في معنى الآية وحكمها :
فقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس : « قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن ، وهنّ يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم ، فاستأذنوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فنزلت هذه الآية » وحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا ، لأنهنّ كنّ مشركات « 7 » .
وقال عكرمة : نزلت في نساء بمكة « 8 » والمدينة ، منهن تسع لهن رايات البيطار « 9 » يعرفن بها منزلهن : أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي « 10 » ، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة ، فأراد « 11 » ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة ، فاستأذن رجل من المسلمين نبي اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في نكاح « أمّ مهزول » واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل اللّه « 12 » هذه الآية « 13 » .
فإن قيل : قوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
ظاهره خبر وليس الأمر كذلك ، لأن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة ، والزانية « 14 »
هامش
( 1 ) انظر الفخر الرازي 23 / 148 .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 150 .
( 3 ) هو عمران بن عثمان أبو البرهسيم الزبيدي الشامي صاحب القراءة الشاذة ، روى الحروف عنه شريح بن يزيد . طبقات القراء 1 / 604 - 605 .
( 4 ) الكشاف 3 / 62 ، البحر المحيط 6 / 431 .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) البحر المحيط 6 / 431 .
( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 151 .
( 8 ) في ب : مكة .
( 9 ) أي : كرايات معالج الدواب .
( 10 ) هو السائب بن صفيّ بن عابد بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم ، القرشي المخزومي ، قال ابن عباس :
إنّ السائب بن أبي السائب ممن هاجر مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأعطاه من غنائم حنين ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وممن حسن إسلامهم منهم .
أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 1 / 93 .
( 11 ) في ب : وأراد .
( 12 ) في ب : اللّه تعالى .
( 13 ) انظر أسباب النزول للواحدي ( 333 ) .
( 14 ) في ب : فالزانية .