تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الرابع : أن قوله
« كُنْ فَيَكُونُ »
كلمة مقدمة على حدوث الكون بزمان واحد ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد ؛ يجب أن يكون محدثا . الخامس : أنه معارض بقوله تعالى :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
[ الأحزاب : 37 ] و
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[ الأحزاب : 38 ] و
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
[ الزمر : 23 ] و
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
[ الطور : 24 ] و
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
[ الأحقاف : 12 ] فإن قيل : فهب أنّ هذه الآية لا تدل على قدم الكلام لكنكم ذكرتم أنّها تدل على حدوث الكلام ، فما الجواب عنه ؟ . قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف ، والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا . قوله :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
الآية . لما حكى عن الكفّار أنّهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم ، على إنكار البعث ، دلّ ذلك على تماديهم في الغيّ والجهل ، ومن هذا حاله ، لا يبعد إقدامه على إيذاء المسلمين ؛ بالضّرب ، وغيره من العقوبات ؛ وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن ديارهم ، ومساكنهم فذكر - تعالى - في هذه الآية حكم تلك الهجرة ، وبيّن ما للمهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة ؛ من حيث هاجر ، وصبر ، وتوكّل على اللّه - عز وجل - وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة اللّه - عز وجل - . قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : نزلت هذه الآية في صهيب ، وبلال ، وعمار ، وخبّاب ، وعابس ، وجبير ، وأبي جندل بن سهيل ، أخذهم المشركون بمكة فجعلوا يعذبونهم ؛ ليردوهم عن الإسلام ، فأما صهيب فقال لهم : أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم لم أضركم ؛ فافتدى منهم بماله ، فلما رآه أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - قال : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر رضي اللّه عنه : « نعم الرّجل صهيب ، لو لم يخف اللّه لم يعصه » ، يريد لو لم يخلق اللّه النار لأطاعه « 1 » . وقال قتادة - رضي اللّه عنه - : هم أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ظلمهم أهل مكة ، وأخرجوهم من ديارهم ؛ حتّى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوّأهم اللّه المدينة بعد ذلك ؛ فجعلها لهم دار هجرة ، وجعلهم أنصارا للمؤمنين ، وبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام ، كما أن نصرة الأنصار قوّت شوكتهم « 2 » ، ودل عليه قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ
على أنّ الهجرة إذا لم تكن للّه ، لم يكن لها موقع ، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 10 / 28 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 585 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » 4 / 221 ) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .