قوله : « جدلا » منصوب على التمييز ، وقوله :
أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
أي : أكثر الأشياء التي يتأتّى منها الجدال ، إن فصّلتها واحدا واحدا ، يعني أنّ الإنسان أكثر جدلا من كلّ شيء يجادل ، فوضع « شيء » موضع الأشياء ، وهل يجوز أن يكون جدلا منقولا عن اسم كان ؛ إذ الأصل : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ؟ فيه نظر ، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه ؛ فإنه قال « 1 » : « فيه وجهان :
أحدهما : أنّ شيئا ههنا في معنى فجادل ، لأنّ أفعل يضاف إلى ما هو بعض له ، وتمييزه ب « جدلا » يقتضي أن يكون الأكثر مجادلا ، وهذا من وضع العام موضع الخاص .
والثاني : أن في الكلام محذوفا ، تقديره : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ، ثم ميّزه » . فقوله : « تقديره : وكان جدل الإنسان » يفيد أنّ إسناد « كان » إلى الجدل جائز في الجملة ، إلا أنه لا بدّ من تتميم لذلك : وهو أن تتجوّز ، فتجعل للجدل جدلا ؛ كقولهم :
« شعر شاعر » يعني أنّ لجدل الإنسان جدلا هو أكثر من جدل سائر الأشياء .
وهذه الآية دالّة على أنّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدّين حتّى صاروا مجادلين ؛ لأنّ المجادلة لا تحصل إلّا من الطرفين .
قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 55 إلى 58 ]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً ( 56 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 )
قوله :
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
الآية .
تقدم إعراب نظيرها في آخر السورة قبلها .
فإن قلت : قالت المعتزلة : الآية دالة على أنّه لم يوجد ما يمنع عن الإقدام على الإيمان ، وذلك يدلّ على فساد قول من يقول : إنه حصل المانع .
[ فالجواب ] « 2 » بأن العلم بأنه لا يؤمن مضادّ لوجود الإيمان ، وإذا كان ذلك العلم قائما ، كان المانع قائما .
وأيضا : قول الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان .
وإذا ثبت هذا ، ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة .
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 105 .
( 2 ) في ب : وأجيبوا .