تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
على فقراء المسلمين ، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى ؛ وذلك : أنّ إبليس ، إنما تكبّر على آدم ؛ لأنّه افتخر بأصله ونسبه ، فقال :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] فأنا أشرف منه أصلا ونسبا ، فكيف أسجد له ، وكيف أتواضع له ؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة ، فقالوا : كيف نجالس هؤلاء الفقراء ، مع أنّا من أنساب شريفة ، وهم من أنساب نازلة ، ونحن أغنياء ، وهم فقراء ؟ فذكر اللّه هذه القصة ؛ تنبيها على أنّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس ، ثم إنه تعالى حذّر عنها ، وعن الاقتداء بها في قوله :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ
، وهذا وجه النظم . قوله :
وَإِذْ قُلْنا
: أي : اذكر . قوله :
كانَ مِنَ الْجِنِّ
فيه وجهان : أحدهما : أنه استئناف يفيد التعليل ؛ جوابا لسؤال مقدّر . والثاني : أن الجملة حالية ، و « قد » معها مرادة ، قاله أبو البقاء « 1 » . قوله : « ففسق » السببية في الفاء ظاهرة ، تسبّب عن كونه من الجنّ الفسق ، قال أبو البقاء « 2 » : إنما أدخل الفاء هنا ؛ لأنّ المعنى : « إلّا إبليس امتنع ففسق » . قال شهاب الدين : إن عنى أنّ قوله
« كانَ مِنَ الْجِنِّ »
وضع موضع قوله « امتنع » فيحتمل مع بعده ، وإن عنى أنه حذف فعل عطف عليه هذا ، فليس بصحيح ؛ للاستغناء عنه . قوله :
« عَنْ أَمْرِ »
« عن » على بابها من المجاوزة ، وهي متعلقة ب « فسق » ، أي : خرج مجاوزا أمر ربّه ، وقيل : هي بمعنى الباء ، أي : بسبب أمره ؛ فإنه فعّال لما يريد . قوله : « وذرّيته » يجوز في الواو أن تكون عاطفة ، وهو الظاهر ، وأن تكون بمعنى « مع » و
« مِنْ دُونِي »
يجوز تعلقه بالاتّخاذ ، وبمحذوف على أنّه صفة لأولياء . قوله :
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله ؛ لأن فيها مصححا لكلّ من الوجهين ، وهو الرابط . قوله : « بئس » فاعلها مضمر مفسّر بتمييزه ، والمخصوص بالذمّ محذوف ، تقديره : بئس البدل إبليس وذريّته . وقوله « للظّالمين » متعلق بمحذوف حالا من « بدلا » وقيل : متعلق بفعل الذمّ .

فصل في الخلاف في أصل إبليس

اعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أنّ إبليس كان من الجنّ ، وللنّاس في الآية أقوال : الأول : قال ابن عبّاس « 3 » : كان من حيّ من الملائكة ، يقال لهم الحنّ ، خلقوا من
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 2 / 104 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 104 . ( 3 ) ينظر : معالم التنزيل 3 / 166 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 508 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب