تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
في البدن أخلاط غليظة ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها ، فانفصلت عن هذا البدن ؛ فحينئذ : يعرض الموت . قال : فأمّا أنّ الإنسان جنس موجود خارج البدن ، فلا أعرف أحدا ذهب إلى هذا القول .

فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض

احتجّ ابن الخطيب لمسمّى الروح بأنها ليست بجسم ، ولا عرض ، وأنها غير البدن ؛ بوجوه كثيرة عقليّة ونقليّة . قال ابن الخطيب : منها أنّ العلم البديهيّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثّة متبدلة بالزّيادة والنّقصان ، والمتبدل مغاير للثّابت . ومنها : أنّ الإنسان حال كونه مشتغلا بفكره في شيء معيّن ، فإنه في شيء معيّن ، فإنه في تلك الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه ، وغير غافل عن نفسه ؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايرا لبدنه . ومنها : قول الإنسان : رأسي ، وبدني ، وعيني ، ويضيف كل عضو إلى نفسه ، والمضاف غير المضاف إليه . فإن قيل : قد يقول : نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [ نفسه ] « 1 » ؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه ، وهو محال ، قلنا : قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلّ أحد بقوله : أنا فلان ، فإذا قال : نفسي ، وذاتي ، كان المراد البدن ، وهو مغاير للإنسان ، أمّا إذا أريد بالنّفس والذّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله : أنا فلان ، ثمّ إنّ الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله : إنّه لي . ومنها : أنّ الإنسان قد يكون حيّا ، حال موت البدن ؛ لقوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ
[ آل عمران : 169 ] . والحسّ يرى الجسد ميّتا . وقال تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ] . وقال - عليه الصلاة والسلام - : [ « أنبياء اللّه لا يموتون » ] « 2 » . وقال - عليه السلام - : « إذا حمل الميّت على نعشه ، [ رفرف ] « 3 » روحه فوق النّعش ، ويقول : يا أهلي ، ويا ولدي » « 4 » . وقال تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 27 ، 28 ] . ومنها : أنّ الإنسان ، إذا قطعت يداه ورجلاه ، لم ينقص من عقله ، وفهمه شيء . ومنها : الذين مسخهم اللّه قردة وخنازير ؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيّا ، وإلّا لكان
هامش
( 1 ) في أ : ذاته . ( 2 ) في أ : إن شاء اللّه لا يموتوا . ( 3 ) في أ : وصارت . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 21 / 34 ) .