تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
وقال قوم : هو جسم لطيف . وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النّور ، والطّيب ، والعلوّ ، والعلم ، والبقاء ؛ ألا ترى أنه إذا كان موجودا ، يكون الإنسان موصوفا بهذه الصفات [ جميعها ] ، وإذا خرج ذهب الكلّ ؟ ! .

فصل [ في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود ، روح في داخل البدن ]

في شرح مذاهب القائلين بأنّ الإنسان جسم موجود ، روح في داخل البدن . قال ابن الخطيب « 1 » : اعلم أنّ الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليّ : إما أن تكون أحد العناصر الأربعة ، أو ما يكون متولّدا من امتزاجها ، ويمتنع أن يحصل في البدن الإنسانيّ جسم عنصريّ خالص ، بل لا بدّ وأن يكون الحاصل جسما متولّدا من امتزاجات هذه الأربعة . فنقول : أمّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية : فهو الأعضاء الصّلبة الكثيفة ؛ كالعظم ، والعروق ، والغضروف ، والعصب ، والوتر ، والرّباطات لهذا الجسم ، واللّحم والجلد ، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا : إنّ الإنسان بمعنى : روح مغاير لهذا الجسد ، بأنّه عبارة عن عضو معيّن من هذه الأعضاء ؛ وذلك لأنّ هذه الأعضاء ثقيلة ، كثيفة ، ظلمانيّة ، لم يقل أحد من العقلاء بأنّ الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء . وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية ؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يقل في شيء منها : إنّه الإنسان إلّا في الدّم ؛ فإنّ فيهم من قال : هو الرّوح ؛ بدليل أنّه ، إذا خرج ، لزم الموت . وأمّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائيّة ، والنارية ؛ فهو الأرواح : وهي نوعان : أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزيّة ، متولّدة : إمّا في القلب ، أو في الدّماغ ، وقالوا : إنما هي الرّوح الإنسانيّ ، ثمّ اختلفوا . فمنهم من يقول : هو الرّوح الذي في القلب . ومنهم من يقول : إنّه جزء لا يتجزّأ في الدّماغ . ومنهم من يقول : الرّوح عبارة عن أجزاء ناريّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيّة ، والدّماغيّة ، وتلك الأجزاء الناريّة : هي المسمّاة بالحرارة الغريزيّة ، وهي الإنسان . ومن النّاس من يقول : الروح عبارة عن أجسام نورانيّة ، سماوية ، لطيفة الجوهر ، على طبيعة ضوء الشّمس ، وهي لا تقبل التحلّل ، والتبدّل ، ولا التفرّق ، والتمزّق ؛ وهو المراد بقوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] نفذت تلك الأجسام الشّريفة السماوية الإلهيّة في داخل أعضاء البدن نفاذ النّار في الفحم ، ونفاذ دهن السّمسم في السّمسم ، ونفاذ دهن الورد في جسم الورد ؛ وهو المراد من قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] . ثم إنّ البدن ما دام سليما ، قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة ، بقي حيّا ، فإذا تولّد
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 36 .