تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الأديان والملل ، ولا تقبل النّسخ والإبطال ، فكانت محكمة وحكمة من هذه الاعتبارات . الثالث : أنّ الحكمة عبارة عن معرفة الحقّ لذاته ، والخير لأجل العمل به ؛ فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأوّل ، وسائر التكاليف عبارة عن تعلّم الخيرات ؛ لأجل العمل بها . روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - أنّ هذه التكاليف المذكورة كانت في ألواح موسى - صلوات اللّه عليه - أولها
« لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ »
« 1 » . قال تعالى :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
[ الأعراف : 145 ] . فكلّ ما أمر اللّه به أو نهى عنه ، فهو حكمة . قوله تعالى :
« مِنَ الْحِكْمَةِ »
يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف ، تقديره : من الذي أوحاه حال كونه من الحكمة ، أو حال من نفس الموصول . الثاني : أنه متعلق ب « أوحى » ، و « من » إمّا تبعيضية ؛ لأنّ ذلك بعض الحكمة ، وإمّا للابتداء ، وإما للبيان . وحينئذ تتعلق بمحذوف . الثالث : أنها مع مجرورها بدل من
« مِمَّا أَوْحى »
.

فصل [ في أن المشرك يكون مذموما مخذولا ]

ذكر في الآية أنّ المشرك يكون مذموما مخذولا . وذكر هاهنا أنّ المشرك يلقى في جهنّم ملوما مدحورا ، فاللّوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنّم يحصل يوم القيامة ، والفرق بين الملوم والمدحور ، وبين المذموم والمخذول : أنّ معنى كونه مذموما : أن يذكر له أنّ الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر ، وإذا ذكر له ذلك ، فعند ذلك يقال له : لم فعلت هذا الفعل ؟ وما الذي حملك عليه ؟ وما استفدت من هذا العمل ، إلّا إلحاق الضّرر بنفسك ؟ وهذا هو اللّوم . وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور ، فهو أنّ المخذول هو الضعيف ، يقال : تخاذلت أعضاؤه ، أي : ضعفت ، والمدحور هو المطرود ، والطّرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة ، فكونه مخذولا عبارة عن ترك إعانته ، وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحورا عبارة عن إهانته ، فيصير أوّل الأمر مخذولا وآخره يصير مدحورا . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 40 ]

أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) قوله تعالى :
أَ فَأَصْفاكُمْ
: ألف « أصفى » عن واو ؛ لأنه من « صفا يصفو » وهو استفهام إنكار وتوبيخ .
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 330 ) وعزاه إلى الطبري .