تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
ذلك الذي أنزل عليكم :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
، ومعنى المجادلة عنها : الاعتذار ؛ كقولهم :
هؤُلاءِ أَضَلُّونا
[ الأعراف : 38 ] ، وكقولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
« 1 » [ الأنعام : 23 ] .
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ
فيه محذوف ، أي : جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان ،
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
لا ينقصون . روى عكرمة عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - في هذه الآية قال : « ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة ، حتى تخاصم الرّوح الجسد ، فتقول الرّوح : يا رب ، لم تكن لي يدّ أبطش بها ، ولا رجل أمشي بها ، ولا عين أبصر بها ، ولا أذن أسمع بها ، ولا عقل أعقل به ، حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعّف عليه أنواع العذاب ، ونجّني ، ويقول الجسد : يا ربّ ، أنت خلقتني بيدك ، فكنت كالخشبة ، وليس لي يد أبطش بها ، ولا رجل أمشي بها ، ولا عين أبصر بها ، ولا سمع أسمع به ، فجاء هذا كشعاع النّور ، فيه نطق لساني ، وأبصرت عيني ، ومشت رجلي ، وسمعت أذني ، فضعّف عليه أنواع العذاب ، ونجّبني منه ، قال : فيضرب اللّه لهما مثلا ؛ أعمى ومقعدا دخلا [ بستانا ] « 2 » فيه ثمار ، فالأعمى لا يبصر الثّمر ، والمقعد لا يتناوله ، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر ، [ فغشيهما ] « 3 » العذاب » « 4 » . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 112 إلى 114 ]

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) قوله - تعالى - :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
الآية . اعلم أنه - تعالى - هدّد الكفار بالوعيد الشّديد في الآخرة ، وهدّدهم أيضا بآفات الدنيا ، وهي الوقوع في الجوع والخوف ؛ كما ذكر - تعالى - في هذه الآية . واعلم أن المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معيّنة ، سواء كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن ، وقد يضرب بشيء موجود معيّن ، فهذه القرية يحتمل أن تكون موجودة ويحتمل أن تكون غير موجودة . فعلى الأول ، قيل : إنها مكّة ، كانت آمنة ، لايهاج أهلها ولا يغار عليها ، مطمئنة
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 87 ) والرازي ( 20 / 101 ) . ( 2 ) في أ : حائطا . ( 3 ) في أ : فعليها . ( 4 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 87 ) والرازي ( 20 / 101 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 172 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب