تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
لأمه ، فأجاره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه فأنزل اللّه هذه الآية ؛ قاله الحسن وعكرمة « 1 » . وهذه الرّواية إنا تصحّ إذا جعلنا هذه السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنيّة ، ويحتمل أن يكون المراد : أنّ أولئك الضعفاء المعذّبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقيّة ، فقوله :
مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
يحتمل كلّ واحد من هذه الوجوه ، وليس في اللفظ ما يدل على التّعيين . وإذا كان كذلك ، فهذه الآية إن كانت نازلة فيمن أظهر الكفر ، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه ، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره ، وإن كانت نازلة فيمن ارتدّ ، فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب ، ويحصل له الغفران والرحمة . قوله :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ
يجوز أن ينتصب « يوم » ب « رحيم » ولا يلزم من ذلك [ تقييد ] « 2 » رحمته بالظرف ؛ لأنه إذا رحم في هذا اليوم ، فرحمته في غيره أحرى وأولى . وأن ينتصب ب « اذكر » مقدّرة ، وراعى معنى « كل » فأنث الضمائر في قوله « تجادل . . . إلى آخره » ؛ ومثله قوله : [ الكامل ]
3363 - جادت عليه كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ قرارة كالدّرهم « 3 »
إلا أنه زاد في البيت الجمع على المعنى ، وقد تقدّم أول الكتاب . وقوله :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
حملا على المعنى ؛ فلذلك جمع . فإن قيل : النّفس لا تكون لها نفس أخرى ، فما معنى قوله :
« تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها »
؟ . فالجواب : أن النّفس قد يراد بها بدن [ الإنسان ] « 4 » الحيّ ، وقد يراد بها ذات الشيء وحقيقته ، فالنفس الأولى هي الجثّة والبدن ، والثانية : عينها وذاتها ؛ فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ، ولا يهمه شأن غيره ، قال - تعالى - :
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
[ عبس : 37 ] . روي أن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قال لكعب الأحبار : خوّفنا ، قال يا أمير المؤمنين : والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيّا ، لأتت عليك تارات وأنت لا يهمّك إلا نفسك ، وإن لجهنّم زفرة ما يبقى ملك مقرّب ، ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه ، حتّى إن إبراهيم خليل الرحمن - صلوات اللّه وسلامه عليه - ليدلي بالخلّة فيقول : يا ربّ ، أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلا نفسي ، وأن تصديق
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 654 ) عن عكرمة والحسن وذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 101 ) . ( 2 ) في ب : نصب . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) زيادة من : أ .