تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
يفصح سواء كان من العرب أو من العجم ؛ ألا ترى أنهم قالوا : زياد الأعجم ؛ لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنّه كان عربيّا ؟ وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى في « الشعراء » ، و « حم السجدة » . وقال بعضهم : العجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا ، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحا .

فصل [ في معنى قوله : « إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين » ]

المعنى : إنّ لسان الذي ينسبون التعلّم منه أعجمي ، وهذا القرآن عربي فصيح ، فتقرير هذا الجواب كأنه قال : هب أنه يتعلّم المعاني من ذلك الأعجمي ، إلا أنّ القرآن إنّما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة ، فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمّدا - عليه الصلاة والسلام - يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل ، إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود ؛ لأن القرآن إنما كان معجزا لفصاحته اللفظيّة . ولما ذكر - تعالى - هذا الجواب ، أردفه بالتهديد ؛ فقال - عز وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ
قال القاضي : لا يهديهم إلى طريق الجنّة لقوله بعده :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : أنهم لما تركوا الإيمان باللّه ، لا يهديهم اللّه إلى الجنّة ، بل يسوقهم إلى النّار ، ثم إنه - تعالى - بين كونهم كاذبين في ذلك القول ، فقال - تعالى - :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
والمقصود منه أنه - تعالى - بيّن في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود ، ثم بين في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصحّ ، وهم كذبوا فيه ، والدليل على كذبهم وجوه : أحدها : أنهم لا يؤمنون بآيات اللّه تعالى وهم كافرون ، وإذا كان الأمر كذلك ، كانوا أعداء للرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - وكلام العدو ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتّهم . وثانيها : أن التعلّم لا يتأتّى في جلسه واحدة ولا يتم بالخفية ، بل التعلّم إنما يتمّ إذا اختلف المتعلّم إلى المعلّم أزمنة متطاولة ، وإذا كان كذلك ، اشتهر فيما بين [ الخلق ] « 1 » أن محمدا - صلوات اللّه وسلامه عليه - يتعلم العلوم من فلان ومن فلان . وثالثها : أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة ، وتعلّمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق ، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في العلم والتحقيق إلى هذا الحد ، لكان مشارا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا ، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية الشريفة والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان ؟ . وإذا كان الأمر كذلك ، فالطّعن في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم بأمثال هذه الكلمات الرّكيكة يدلّ
هامش
( 1 ) في ب : الناس .