تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
الكفر ، لقدر عليه ، إلّا أنّ ذلك يبطل التّكليف ، فلا جرم ما ألجأهم إليه ، وفوّض الأمر إلى اختيارهم ، وقد تقدّم البحث في ذلك . وروى الواحدي رحمه اللّه : أنّ عزيرا قال : ربّ ، خلقت الخلق فتضلّ من تشاء وتهدي من تشاء ، فقال : يا عزير ، أعرض عن هذا ، فأعاده ثانيا ، فقال : يا عزير أعرض عن هذا ، فأعاده ثالثا ، فقال : أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من [ ديوان ] « 1 » النبوّة . قالت المعتزلة « 2 » : ومما يدلّ على أن المراد من هذه المشيئة مشيئته الإلجاء أنه - تعالى - قال بعده :
وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فلو كانت أعمال العباد بخلق اللّه - تعالى - ، لكان سؤالهم عنها عبثا ، وتقدّم جوابه . قوله - تعالى - :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ
الآية لمّا حذّر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان مطلقا ، قال في هذه الآية :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ
وليس المراد منه التّحذير عن نقض مطلق الأيمان ، وإلّا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد ، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أو أقدموا عليها . فلهذا قال المفسرون : المراد : نهي الذين بايعوا الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - عن نقض عهده ؛ لأن قوله :
فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
لا يليق بنقض عهد قبله ، وإنما يليق بنقض عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على الإيمان به وبشرائعه . وقوله - تعالى - : فنزل
قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها
منصوب بإضمار « أن » على جواب النهي . وهذا مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية ، أو سقط في ورطة بعد سلامة ، أو محنة بعد نعمة . قوله :
بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
« ما » مصدرية ، و « صددتّم » يجوز أن يكون من الصّدود ، وأن يكون من الصدّ ، ومفعوله محذوف ، ونكّرت « قدم » ؛ قال الزمخشري « فإن قلت : لم وحّدث القدم ونكّرت ؟ . قلت : لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحقّ بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة ؟ » . قال أبو حيّان « 3 » : « الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع ، وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد ، فإذا لوحظ فيه المجموع ، كان الإسناد معتبرا فيه الجمعيّة ، وإذا لو حظ فيه كل فرد فرد ، فإنّ الإسناد مطابق للفظ الجمع كثيرا ، فيجمع ما أسند إليه ، ومطابق لكل فرد فرد فيفرد ؛ كقوله :
وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ
[ يوسف : 31 ] لما كان
هامش
( 1 ) زيادة من : أ . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 88 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 515 .