تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
ولذلك قضى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأنّ اللبن محرّم حين أنكرته عائشة - رضي اللّه عنها - في حديث : « أفلح أخي أبي القعيس فللمرأة السّقي وللرّجل اللّقاح » . قوله :
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ
يجوز فيه أوجه : أحدها : أنّه متعلق بالسّقي على أنّها لابتداء الغاية ، فإن جعلنا ما قبلها كذلك ، تعين أن يكون مجرورها بدلا من مجرور « من » الأولى ، لئلا يتعلّق عاملان متّحدان لفظا ومعنى [ بمعمول ] « 1 » واحد ، وهو ممتنع إلا في بدل الاشتمال ؛ لأنّ المكان مشتمل على ما حلّ فيه ، وإن جعلتها للتّبعيض هان الأمر . الثاني : أنّها في محل نصب على الحال من « لبنا » ، إذ لو تأخّرت ، لكانت مع مجرورها نعتا . قال الزمخشريّ : « وإنّما قدّم ؛ لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتّقدم » . الثالث : أنّها مع مجرورها حال من الضمير الموصول قبلها . والفرث : فضالة ما يبقى من العلف في الكرش ، وكثيف ما يبقى من الأكل في الأمعاء ، ويقال : فرث كبده ، أي : فتّتها ، وأفرث فلان فلانا ؛ أوقعه في بليّة يجرى مجرى الفرث . روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنه قال : « إذا استقرّ العلف في الكرش ، صار أسفله فرثا ، وأعلاه دما ، وأوسطه لبنا ، فيجري الدّم في العروق واللبن في الضّرع ، ويبقى الفرث كما هو » « 2 » . قوله : « لبنا » هو المفعول الثاني للسّقي . وقرىء « 3 » : « سيّغا » بتشديد الياء ، بزنة « سيّد » وتصريفه كتصريفه . وخفف عيسى بن عمر ، نحو « ميت » ، و « هين » ، ولا يجوز أن يكون فعلا ، إذ كان يجب أن يكون سوغا كقول . ومعنى :
« سائِغاً لِلشَّارِبِينَ »
، أي هنيئا يجري بسهولة في الحلق ، وقيل : إنّه لم [ يشرق ] « 4 » أحد باللّبن قطّ .

فصل [ في أن اللّبن والدّم لا يتولدان البتة في الكرش والدليل عليه الحس ]

قال ابن الخطيب « 5 » : اللّبن والدّم لا يتولدان ألبتّة في الكرش ، والدّليل عليه الحسّ ، فإنّ هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها لا دما ، ولا لبنا ، ولو كان تولد الدّم ، واللّبن في الكرش ؛ لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشيء الذي دلّت المشاهدة على فساده ؛ لم يجز المصير إليه ، بل الحق أنّ الحيوان إذا
هامش
( 1 ) في ب : بعامل . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 52 - 53 ) . ( 3 ) ينظر : المحتسب 2 / 11 ، والشواذ 73 ، والمحرر 8 / 457 ، والبحر 5 / 494 ، والدر المصون 4 / 343 . ( 4 ) في أ : يغص . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 20 / 53 .