تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
والمقتول في النّار ، فقيل يا رسول اللّه : هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنّه كان حريصا على قتل صاحبه » « 1 » . قال ابن الخطيب « 2 » : وقال المحققون من المفسّرين ، والمتكلّمين : إنّ يوسف - عليه الصلاة والسلام - كان بريئا من العمل الباطل ، والهمّ المحرّم ، وبه نقول ، وعنه نذبّ ، والدلائل الدّالة على وجوب عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مذكورة مقرّرة ونزيد هاهنا وجوها : الأول : أن الزّنا من منكرات الكبائر ، والخيانة في معرض الأمانة أيضا من منكرات الذّنوب وأيضا : الصبيّ إذا تربّى في حجر الإنسان ، وبقي مكفيّ المؤنة ، مصون العرض من أوّل صباه إلى زمان شبابه ، وكمال قوّته ، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المفضل من منكرات الأعمال ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية « 3 » إذا نسبوها إلى يوسف - عليه الصلاة والسلام - كانت موصوفة بجميع الجهالات ، ومثل هذه المعصية إذا نسبت إلى أفسق خلق اللّه ، وأبعدهم من كلّ حسن ، لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسناده إلى الرّسول المؤيّد بالمعجزات الباهرة « 4 » مع قوله تعالى :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ
وأيضا فلا يليق بحكمة اللّه تعالى « 5 » وذلك يدلّ على أن ماهيّة السّوء ، وماهية الفحشاء مصروفة عنه ، والمعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء ، والفحشاء ، وأيضا فلا يليق بحكمة اللّه - تعالى - أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية ، ثم يمدحه ، ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب ما حكى عنه ذلك الذّنب العظيم ، فإنّ مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب ، وأفحش الأعمال ، ثم يذكره بالمدح العظيم ، والثناء البالغ عقيبه ، فإنّ ذلك مستنكر جدّا ، فكذا هاهنا . وأيضا : فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - متى صدرت عنهم زلة ، أو هفوة ؛ استعظموا ذلك ، وأتبعوه بإظهار النّدامة ، والتوبة ، والتّواضع ، ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة ، لكان من المحال أن لا يتبعها بالتّوبة ، والاستغفار ، ولو أتى بالتّوبة لحكى اللّه ذلك عنه كما في سائر المواضع ، وحيث لم يقع شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ، ولا معصية . وأيضا : فكلّ من كان له تعلق بهذه الواقعة ، فقد شهد ببراءة يوسف - عليه الصلاة والسلام - عن المعصية ، والذين لهم تعلق بهذه الواقعة : يوسف والمرأة وزوجها ، والنسوة الشهود ، ورب العالم ، وإبليس .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 12 / 199 ) كتاب الديات : باب قول اللّه ( ومن أحياها ) ( 6875 ) ومسلم ( 4 / 2213 ) كتاب الفتن : باب إذا تواجه المسلمان ( 14 - 2888 ) . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 93 . ( 3 ) سقط من : ب . ( 4 ) في ب : القاهرة . ( 5 ) سقط من : ب .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 63 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب