تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
قوله : « وأسرّوه » الظّاهر أن الضمير المرفوع يعود على السّيّارة ، وقيل : هو ضمير إخوته ، فعلى الأول : أن الوارد ، وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجبّ ، وقالوا : إن قلنا للسّيّارة التقطناه شاركونا ، وإن قلنا : اشتريناه سألونا الشّركة ، فلا يضرّ أن نقول : إنّ أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه بمصر . وعلى الثاني : نقل ابن عبّاس : - رضي اللّه عنهما - « وأسرّوه » يعني إخوة يوسف أخفوا كونه أخاهم ، بل قالوا : إنّه عبد لنا أبق منا ، ووافقهم يوسف على ذلك ؛ لأنهم توعّدوه بالقتل بلسان العبرانيّة « 1 » . و ( بضاعة ) نصب على الحال . قال الزّجّاج كأنه قال : « وأسرّوه حال ما جعلوه بضاعة » ، وقيل : مفعول ثان على أن يضمّن « أسرّوه » معنى صيّروه بالسّرّ . والبضاعة : هي قطعة من المال تعدّ للتّجارة من بضعت ، أي : قطعت ومنه : المبضع لما يقطع به . ثم قال :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
والمعنى : أنّ يوسف لما رأى الكواكب والشمس ، والقمر في النّوم سجدت له ، وذكر ذلك ؛ حسده إخوته ، فاحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه ، فأوقعوه في البلاء الشّديد ، حتى لا يتم له ذلك المقصود ؛ فجعل اللّه - تعالى - وقوعه في ذلك البلاء سببا لوصوله إلى « مصر » ، ثمّ تتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر ، وحصل ذلك الذي رآه في النّوم ، فكان العمل الذي عمله إخوته دفعا لذلك المطلوب ، صيّره اللّه سببا لحصول ذلك المطلوب ، ولهذا المعنى قال :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
. قوله تعالى :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ
شرى بمعنى اشترى ، قال الشاعر : [ الطويل ]
3071 - ولو أنّ هذا الموت يقبل فدية * شريت أبا زيد بما ملكت يدي « 2 »
وبمعنى : باع ؛ قال الشاعر : [ مجزوء الكامل ]
3072 - وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه « 3 »
فإن قلنا : المراد من الشّراء نفس الشراء ، فالمعنى : أنّ القوم اشتروه ، وكانوا فيه من الزّاهدين ؛ لأنهم علموا بقرائن الأحوال أنّ إخوة يوسف كذبوا في قولهم : إنّه عبد لنا ، وأيضا : عرفوا أنّه ولد يعقوب ، فكرهوا أيضا شراءه ؛ خوفا من اللّه - تعالى - من ظهور تلك الواقعة ، إلّا أنّهم - مع ذلك - اشتروه بالآخرة ؛ لأنّهم اشتروه بثمن بخس ، وطمعوا
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 166 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 17 ) وعزاه إلى الطبري . ( 2 ) ينظر البيت في روح المعاني 12 / 204 والبحر 5 / 291 والدر المصون 4 / 165 . ( 3 ) تقدم .