تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
أحدهما : ما تقدّم في نظيرتها على أن تكون هي المخففة لا النّاصبة ، واسمها ضمير الشأن ، وشذّ عدم الفصل بينها ، وبين الجملة الفعلية . والثاني : أنّها ناصبة ، ولكن أهملت حملا على « ما » المصدرية كقراء :
أَنْ يُتِمَّ
[ البقرة : 233 ] . برفع « يتمّ » وقد تقدّم القول فيه . قوله تعالى :
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
الآية لما حكى عن الكفّار طعنهم في النّبوة حكى عن الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - جوابهم فقالوا :
« إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ »
سلموا أنّ الأمر كذلك لكنهم بيّنوا أن التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة ؛ لأنّ هذا المنصب يمنّ اللّه به على من يشاء من عباده ، وإذا كان كذلك سقطت شبهتكم . وأمّا الجواب عن شبهة التقليد وهي قولهم : إطباق السلف لذلك الدين يدل على كونه حقّا ، فجوابه عين الجواب المذكور ، وهو أنّه لا يبعد أن يظهر للرّجل الواحد ما لم يظهر للخلق الكثير ؛ لأن التمييز بين الحق ، والباطل ، والصدق ، والكذب عطية من اللّه وفضل منه ؛ فلا يبعد أن يخص عبده بهذه العطية ، ويحرم الجمع العظيم منها . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة أقوى منها ، فأجابوا عنها بقولهم :
وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
أي : أنّ المعجزة التي أتينا بها حجة قاطعة قوية ودليل تام ، وأمّا الأشياء التي طلبتموها ، فأمور زائدة والحكم فيها للّه - تعالى - فإن أظهرها فله الفضل ، وإن لم يظهرها فله العدل ، ولا يحكم بعد ظهور قدر الكفاية . قوله :
وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ
يجوز أن يكون خبر : « كان » « لنا » ، و :
« أَنْ نَأْتِيَكُمْ »
اسمها ، أي : وما كان لنا إتيانكم بسورة ، و
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
حال ، ويجوز أن يكون الخبر
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
، و « لنا » تبيين . والظاهر أنّ الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - لما أجابوا عن شبهاتهم بهذا الجواب أخذ القوم في التّخويف ، والوعيد فعند ذلك قال الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - لا نخاف من تخويفكم بعد أن توكلنا على اللّه :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
. قوله :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
كقوله سبحانه :
وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 246 ] . والمعنى : وما لنا أن لا نتوكل على اللّه ، وقد عرفنا أنه لا ينال شيء إلا بقضائه وقدره :
وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
بين لنا الرشد وبصرنا طريق النجاة . قوله : « ولنصبرنّ » جواب قسم ، وقوله :
عَلى ما آذَيْتُمُونا
يجوز أن تكون « ما » مصدرية ، وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعي حذفه على غير قياس .