تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
قال تعالى :
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
. قيل : المعنى : إن آمنتم ، أخر اللّه موتكم إلى أجل مسمى ، وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : يمنعكم في الدّنيا باللذات إلى الموت « 1 » . فإن قيل : أليس قال :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] . فكيف قال هنا :
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
؟ . قلنا : تقدّم الكلام في هذه المسألة في قوله :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى
في الأنعام « 2 » . ولما ذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - هذا الكلام للكفار قالوا : « إن أنتم إلا بشر مثلنا » وهذا الكلام يشتمل على ثلاثة أنواع من الشبه : الأولى : أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد وهو أن يكون الواحد منهم رسولا من اللّه تعالى مطلعا على الغيب ، مخالطا لزمرة الملائكة ، والباقون غافلون عن هذه الأحوال أيضا كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة وجب أيضا أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ، وهي الحاجة إلى الأكل ، والشرب ، والحديث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
: أي في الصورة ولستم ملائكة ، وإنّما تريدون بقولكم أن تصدّونا عمّا كان يعبد آباؤنا . وهذه الشبهة الثانية ، وهي التمسك بالتقليد ، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم مطبقين على عبادة الأوثان . قالوا : ويبعد أن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خاطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين . الشبهة الثالثة : قالوا : المعجز لا يدلّ على الصدق ؛ لأن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنّها أمور معتادة ليست من باب المعجزات الخارجة عن قوّة البشر ؛ فلذلك قالوا :
« فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
أي : بحجة بينة على صحّة دعواكم . قوله « تريدون » يجوز أن يكون صفة ثانية ل « بشر » وحمل على معناه ، لأنه بمنزلة القوم والرهط ، كقوله :
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
[ التغابن : 6 ] وأن يكون مستأنفا . وقوله :
« أَنْ تَصُدُّونا »
العامة على تخفيف النون ، وقرأ طلحة بتشديدها « 3 » كما شدد : « تدعونّا » وفيها تخريجان :
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 19 / 75 ) . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 399 ، الدر المصون 4 / 254 .