تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
قوله
لِتُخْرِجَ النَّاسَ
متعلق ب « أنزلناه » . وقرىء « 1 » ( ليخرج الناس ) بفتح الياء وضمّ الراء ، من خرج يخرج . « النّاس » رفعا على الفاعليّة . قالت المعتزلة : اللّام في « لتخرج » لام الغرض والحكمة ، تدلّ على أنه - تعالى - إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، فدل على أنّ أقوال اللّه - تعالى - وأفعاله معللة برعاية المصالح . وأجيب : بأن من فعل فعلا لأجل شيء آخر ، فهذا إنّما يفعله إذا كان عاجزا عن تحصيل ذلك المقصود إلّا بهذه الواسطة ، وذلك محال في حقّ اللّه - تعالى - ، وإذا ثبت بالدّليل منع تعليل أفعال اللّه - تعالى - وأحكامه بالعلل ؛ ثبت أنّ كل ظاهر أشعر به فهو مؤول على معنى آخر .

فصل [ في معنى قوله : « مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »

] قوله تعالى :
مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
أي : لتدعوهم من ظلمات [ الضّلال ] « 2 » إلى نور الإيمان . قال القاضي « 3 » - رحمه اللّه - : هذه الآية تبطل القول بالجبر من جهات : أحدها : أنّه - تعالى - لو خلق الكفر في الكافر ، فكيف يصحّ إخراجه منه بالكتاب . وثانيها : أنّه - تعالى - أضاف الإخراج من الظّلمات إلى النور إلى الرّسول - عليه الصلاة والسلام - فإن كان خالق الكفر هو اللّه - تعالى - فكيف يصحّ من الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - إخراجهم منه ، وكان للكافر أن يقول : إنّك تقول : إن اللّه خلق الكفر فينا فكيف يصحّ منك أن تخرجنا ؟ . فإن قال لهم : أنا أخرجكم من الظّلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع فلهم أن يقولوا : إنه كان اللّه سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج ، وإن لم يخلقه اللّه فنحن خارجون منه بلا إخراج . وثالثها : أنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - إنّما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليه ليتدبروه ؛ ولينظروا فيه فيعلموا بالنّظر ، والاستدلال كونه - تعالى - عالما قادرا حكيما ، ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - فحينئذ يقبلوا منه كلّ ما جاءهم من الشّرائع ، وذلك إنّما يكون إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم ، ويصحّ منهم أن يقدموا عليه ويتصرّفوا فيه . والجواب عن الكل : أن يقال : الفعل الصادر من العبد . إمّا أن يصدر عنه حال استواء الدّاعي إلى الفعل والترك .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 537 ، البحر المحيط 5 / 393 ، والدر المصون 4 / 249 . ( 2 ) في أ : الضلالة . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 58 .