تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وثالثها : أن عبادة اللّه لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل وهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال ، في معرفة الصانع وصفاته وما يجب ويجوز ويستحيل عليه . ورابعها : أن عبادة اللّه واجبة ، وهي تبطل قول نفاة التكليف ويبطل القول بالجبر المحض . وخامسها : قوله
وَلا أُشْرِكَ بِهِ
وهذا يدل على نفي الأضداد والأنداد بالكلية ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبودا سوى اللّه - تعالى - من الشمس والقمر والكواكب والأصنام والأوثان والأرواح ، وهو على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما تقوله الثنوية . وسادسها : قوله ( إليه أدعو ) أي : كلما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات يجب عليه الدعوة إلى [ عبودية ] « 1 » اللّه - تعالى - وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة . قوله :
وَلا أُشْرِكَ
قرأ نافع « 2 » في رواية عنه برفع « ولا أشرك » وهي تحتمل القطع ، أي : وأنا لا أشرك . وقيل : هي حال . وفيه نظر ؛ لأن المنفي ب « لا » كالمثبت في عدم مباشرة واو الحال . قوله :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا
الكاف في محل نصب ، أي : وكما يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض كذلك
أَنْزَلْناهُ حُكْماً
و « حكما » حال من مفعول « أنزلناه » . وقيل : شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل على من تقدم من الأنبياء أي : كما أنزلنا الكتب على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بلسانهم كذلك أنزلنا إليك القرآن . وقيل : كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد فأنكره الأحزاب كذلك أنزلنا الحكم والدين « عربيّا » نسب إلى العرب ، لأنه منزل بلغتهم فكذب به الأحزاب ، ولما كان القرآن مشتملا على جميع أنواع التكاليف وكان سببا للحكم جعل نفس الحكم مبالغة .

فصل [ في دلالة الآية على حدوث القرآن ]

قالت المعتزلة « 3 » : دلت الآية على حدوث القرآن من وجوه : الأول : أنه - تعالى - وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث . والثاني : وصفه بكونه عربيا ، والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثا . والثالث : أن الآية دلت على أنه إنما كان حكما عربيا ؛ لأن اللّه جعله كذلك والموصوف بهذه الصفة محدث .
هامش
( 1 ) في ب : عبادة . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 533 والبحر المحيط 5 / 387 والدر المصون 4 / 247 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 19 / 49 .