تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
والسّارب : قال الفراء والزجاج : أي : ظاهر بالنهار في سربه ، أي : طريقه يقال : خلا له سربه ، أي : طريقه ، والسّرب - بفتح السّين ، وسكون الراء - الطريق . وقال الأزهري « 1 » : « تقول العرب : سربت الإبل تسرب سربا ، أي : مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت » . فمعنى الآية : سواء كان الإنسان مستخفيا في الظّلمات ، وكان ظاهرا في الطرقات فعلم اللّه تعالى محيط بالكلّ . قال ابن عباس : « سواء ما أضمرته القلوب ، أو أظهرته الألسنة » « 2 » . وقال مجاهد : سواء من أقدم على القبائح في ظلمات الليل ، ومن أتى بها في النهار الظاهر على سبيل التّوالي « 3 » . وقال ابن عباس أيضا : « هو صاحب ريبة مستخف بالليل ، وإذا خرج بالنهار أرى النّاس أنه بريء من الإثم » « 4 » . والقول الثاني : نقل الواحدي عن الأخفش ، وقطرب قال : المستخفي : الظاهر والسارب : المتواري ، ومنه يقال : خفيت الشيء ، أي : أظهرته ، وأخفيت الشيء أي : استخرجته ، ويسمى النّبّاش : المستخفي ، والسّارب : المتواري ، أي : الداخل سربا ، وانسرب الوحش : إذا دخل في السّرب ، أي : في كناسه . قال الواحديّ : « وهذا الوجه صحيح في اللغة إلا أنّ الأول هو المختار لإطباق أكثر المفسرين عليه ، وأيضا : فالليل يدلّ على الاستتار ، والنهار على الظهور » . قوله :
لَهُ مُعَقِّباتٌ
الضمير فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه عائد على « من » المكررة ، أي : لمن أسرّ القول ، ولمن جهر به ولمن استخفى : « معقبات » ، أي : جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضا . الثاني : أنه يعود على « من » الأخيرة ، وهو قول ابن عبّاس « 5 » . قال ابن عطية : والمعقبات على هذا : حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه ، قالوا : والآية على هذا في الرؤساء الكفار ، واختاره الطبريّ وآخرون إلّا أنّ الماوردي ذكر على هذا التأويل : أنّ الكلام نفي ، والتقدير : لا يحفظونه ، وهذا ينبغي ألّا يسمع البتة ، كيف يبرز كلام موجب ، ويراد به نفي ، وحذف « لا » إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعا
هامش
( 1 ) ينظر : تهذيب اللغة 12 / 313 . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 19 / 15 ) . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 349 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 89 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 352 ) .