تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
من اشتغل بتدبير شيء ، فإنّه لا يمكنه تدبير شيء آخر ، فإنه لا يشغله شأن عن شأن ، وإذا تأمّل العاقل في هذه الآية علم أنّه - تعالى - يدبّر عالم الأجسام ويدبر عالم الأرواح ، ويدبر الكبير كما يدبر الصغير ، ولا يشغله شأن عن شأن ، ولا يمنعه تدبير عن تدبير ، وذلك يدل على أنه - تعالى - في ذاته ، وصفاته ، وعلمه ، وقدرته غير مشابه للمخلوقات ، والممكنات . قوله
يُفَصِّلُ الْآياتِ
يبين الدلالات الدّالة على إلاهيته ، وعلمه ، وحكمه . واعلم أنّ الدّلائل الدالّة على وجود الصّانع قسمان : أحدهما : الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك ، والشمس ، والقمر ، والكواكب وهذا القسم تقدّم ذكره . والثاني : الموجودات الحادثة المتغيرة ، وهي الموت بعد الحياة ، والفقر بعد الغنى ، والهرم بعد الصحّة ، وكون الأحمق في أهنأ العيش ، والعاقل في أشد الأحوال ، فهذا النّوع من الموجودات ، والأحوال دلالتها على وجود الصّانع الحكيم ظاهرة . فقوله :
يُفَصِّلُ الْآياتِ
إشارة إلى أنّه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز ، والتفصيل . ثم قال :
لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
لكي توقنوا بوعده ، وتصدّقوا . واعلم أنّ الدلائل الدالة على وجود الصّانع الحكيم تدلّ أيضا على صحّة القول بالحشر والنشر ؛ لأنّ من قدر على خلق هذه الأشياء ، وتدبيرها على عظمها ، وكثرتها فبأن يقدر على الحشر ، والنشر أولى . وروي أنّ رجلا قال لعليّ بن أبي طالب - كرّم اللّه وجهه - : كيف بحاسب اللّه الخلق دفعة واحدة ؟ قال : كما يرزقهم الآن دفعة واحدة ، وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة « 1 » . واعلم أنّه - تعالى - كما قدر على بقاء الأجرام الفلكيّة ، والنيرات الكوكبية في الجو العالي ، وكما يمكنه تدبير ما فوق العرش إلى ما تحت الثّرى لا يشغله شأن عن شأن ، كذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن . واعلم أنّ لفظ « اللّقاء » يدل على رؤية اللّه - تعالى - وقد تقدّم تقريره .
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
[ الآية : 3 ] لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
بسطها ، قال الأصم : المد : البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله :
مَدَّ الْأَرْضَ
ليشعر بأنّه تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما ، لا يقع البصر على منتهاه ، وقال قوم كانت الأرض مكورة فمدّها ، ودحاها من مكّة من تحت
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 18 / 187 ) .