تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
أنّك لست فاعلا ؟ فيقال لهم : إذا كان تحصيل الإيمان ، وإبقاؤه من العبد لا من اللّه ، فكيف يطلب ذلك من اللّه - تعالى - . قال الجبائي والكعبي : معناه : أطلب اللّطف في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه ، وهذا الجواب ضعيف ؛ لأن السؤال وقع عن الإسلام ، فحمله على اللطف عدول عن الظاهر ، وأيضا : فكلّ ما كان في مقدور اللّه من الإلطاف ، فقد فعله ، كان طلبه من اللّه محالا . فإن قيل : الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يعلمون أنّهم يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدّعاء طلبا لتحصيل الحاصل ، وأنّه لا يجوز . فالجواب : أن كمال حال المسلم : أن يستسلم لحكم اللّه على وجه يستقرّ قلبه على ذلك الإسلام ، ويرضى بقضاء اللّه ، وتطمئن النفس ، وينشرح الصدر في هذا الباب ، وهذه حالة زائدة عن الإسلام الذي هو ضدّ الكفر ، والمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى . فإن قيل : إن يوسف - عليه الصلاة والسلام - كان من أكابر الأنبياء ، والصّلاح أول درجات المؤمنين ؛ فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية ؟ . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - وغيره : يعني ب « آبائه » : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أجمعين . والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ، ودرجاتهم ، ومراتبهم . روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، عن جبريل - عليه السلام - عن ربّ العزّة قال : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين » « 1 » . فلهذا من أراد الدعاء ، لا بدّ وأن يقدّم عليه الثّناء على اللّه - تعالى - فههنا يوسف - عليه الصلاة والسلام - لمّا أراد الدعاء قدّم عليه الثناء ، فقال
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
ثم دعا عقبه ، فقال :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
وكذلك فعل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فقال :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء : 78 ] إلى قوله :
يَوْمَ الدِّينِ
فهذا ثناء ، ثمّ قال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
إلى آخر كلامه . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 102 إلى 107 ]

ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 )
هامش
( 1 ) تقدم .