تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عنها ، وأمّا واقعة يوسف صلوات اللّه وسلامه عليه فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السّبب الذي ذكروه ، وأما السّبب الحقيقي ، فلم يعلمه . وأيضا : أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يعلم حياة هؤلاء ، وأمّا يوسف فما كان يعلم أنّه حي ، أو ميت ، فلهذه الأسباب عظم حزنه على مفارقته . قوله :
يا أَسَفى
الألف منقلبة عن ياء المتكلم ، وإنّما قلبت ألفا ؛ لأنّ الصّوت معها أتم ، ونداؤه على سبيل المجاز ، كأنّه قال : هذا أوانك فاحضر ، نحو : « يا حسرتا » . وقيل هذه ألف الندبة ، وحذفت هاء السّكت وصلا . قال الزمخشريّ : والتّجانس بين لفظتي الأسف ، ويوسف ممّا يقع مطبوعا غير متعمل فيملح ، ويبدع ، ونحوه :
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ
[ التوبة : 38 ]
يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
[ الأنعام : 26 ]
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
[ الكهف : 10 ]
مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ
[ النمل : 22 ] . قال شهاب الدّين « 1 » : ويسمّى هذا النّوع تجنيس التّصريف ، وهو أن تشترك الكلمتان في لفظ ، ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى ، وقد تقدّم [ الأنعام : 26 ] . وقرأ ابن عباس « 2 » ، ومجاهد « من الحزن » بفتحتين ، وقتادة بضمتين والعامة بضمة فسكون . فالحزن ، والحزن ، كالعدم ، والعدم ، والبخل والبخل ، وأمّا الضمتان فالثانية اتباع . وقال الواحديّ : اختلفوا في الحزن ، والحزن ، فقال قوم : الحزن : البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان ، يقال : أصابه حزن شديد وحزن شديد ، إذا كان في مواضع النّصب ، فتحوا الحاء ، والزّاي كقوله :
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
[ التوبة : 92 ] ، وإذا كان في موضع الرفع « 3 » ، والخفض فبضم الحاء ، كقوله :
مِنَ الْحُزْنِ
وقوله :
أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
قال : هما في موضع رفع بالابتداء . و « كظيم » يجوز أن يكون مبالغة بمعنى فاعل ، وأن يكون بمعنى مفعول ، كقوله :
وَهُوَ مَكْظُومٌ
[ القلم : 48 ] وبه فسّره الزمخشريّ ، فإن كان بمعنى الكاظم فهو الممسك على حزنه فلا يظهره ، وإن كان بمعنى المكظوم ، فقال ابن قتيبة : « معناه المملوء من الهمّ ، والحزن مع سدّ طريق نفسه المصدور ، من كظم السّقاء ، إذا اشتدّ على ملئه ، ويجوز أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده » .

فصل [ في معنى قوله : « وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ »

] تقدّم الكلام على الأسف ، وأمّا قوله :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
فقيل : إنّه لما قال :
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 4 / 208 - 209 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 3 / 272 ، والبحر المحيط 5 / 333 والدر المصون 4 / 209 . ( 3 ) في ب : الضم .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 189 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب