تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧

فصل [ قول القرطبي ]

قال القرطبي « 1 » : « دلّت هذه الآية على أنّ كل من كان على حقّ ، وعلم أنه قد يظن به أنّه على [ خلاف ] « 2 » ما هو عليه ، أو يتوهم أن يرفع التّهمة ، وكلّ ريبة عن نفسه ويصرّح بالحق الذي هو عليه ، حتّى لا يبقى متكلّم ، وقد فعل هذا نبينا - عليه الصلاة والسلام - بقوله للرجلين اللّذين مرّا ، وهو قد خرج مع صفيّة بنت حييّ من المسجد : « على رسلكما ، إنّما هي صفيّة بنت حييّ » ؛ فقالا : سبحان اللّه ! وكبر عليهما ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم ، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّا ، أو قال : شيئا » متفق عليه . فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه ، ولم يخبره بمكانه ، ويحبس أخاه مع علمه بشدّة وجد أبيه عليه ، ففيه معنى العقوق ، وقطيعة الرّحم ، وقلّة الشّفقة ؟ . فالجواب : أنّه فعل ذلك بأمر اللّه - عزّ وجلّ - أمره به ليزيد في بلاء يعقوب ، فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدّرجة بآبائه الماضين . وقيل : إنّه لم يظهر نفسه لإخوته ؛ لأنّه لم يأمن أن يدبّروا في أمره تدبيرا ، فيكتموه عن أبيه ، والأول أصح . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 83 إلى 87 ]

قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) قوله :
قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
هذا الإضراب لا بدّ له من كلام قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه ، والتقدير : فرجعوا إلى أبيهم ، وذكروا له ما قال كبيرهم ، فقال يعقوب : ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة ، ( بل سولت ) : زيّنت
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
أي حمل أخيكم إلى مصر ، وليس المراد منه الكذب كواقعة يوسف . وقيل : ( سولت لكم أنفسكم ) أنّه سرق ، وما سرق . ( فصبر جميل ) وتقدّم الكلام على نظيره ، وقال هناك : ( واللّه المستعان على ما تصفون ) وقال ههنا ( عسى اللّه أن يأتيني بهم جميعا ) .
هامش
( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 9 / 161 . ( 2 ) سقط من : ب .