تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
والثاني : أنهم ما كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهد قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ، ولم يستحلّوا أخذها والسارق لا يفعل ذلك ألبتّة ، فلمّا بينوا براءتهم من تلك التهمة قال أصحاب يوسف صلوات اللّه عليه :
فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ
فأجابوه ،
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ
قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كانوا يستعبدون في ذلك الزمان كلّ سارق بسرقته ، فلذلك قالوا :
جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ
أي : فالسّارق جزاؤه ، أي : فيسلم السّارق إلى المسروق منه ، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السّارق ، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السّارق ، ويغرمه ضعفي قيمة المسروق ، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده فردّ الحكم إليهم ؛ ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم « 1 » . قوله تعالى :
جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ
فيه أربعة أوجه : أحدها : أن يكون « جزاؤه » مبتدأ ، والضمير للسّارق ، و « من » شرطيّة أو موصولة مبتدأ ثان ، والفاء جواب الشّرط ، أو مزيدة في خبر الموصول « 2 » لشبهه بالشّرط و « من » وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأوّل ، قاله ابن عطيّة ، وهو مردود ؛ لعدم رابط بين المبتدأ ، وبين الجملة الواقعة خبرا عنه ، هكذا ردّه أبو حيّان عليه . وليس بظاهر ؛ لأنّه يجاب عنه بأن هذه المسألة من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ويتّضح هذا بتقدير الزمخشري - رحمه اللّه - فإنّه قال : « ويجوز أن يكون « جزاؤه » مبتدأ ، والجملة الشرطية كما هي خبره ، وعلى إقامة الظّاهر فيها مقام المضمر ، والأصل : جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، فوضع الجزاء موضع « هو » كما تقول لصاحبك : من أخو زيد ؟ فيقول لك : من يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأول إلى : « من » ، والثاني إلى الأخ ، فتقول : « فهو أخوه » مقيما الظاهر مقام المضمر » . وأبو حيان جعل هذا المحكيّ عن الزّمخشري وجها ثانيا بعد الأوّل ، ولم يعتقد أنه هو بعينه ، ولا أنه جواب عما ردّ به على ابن عطيّة . ثمّ قال : « وضع الظّاهر موضع المضمر « 3 » للرّبط ، إنّما هو فصيح في مواضع التفخيم والتّهويل ، وغير فصيح فيما سوى ذلك ، نحو : زيد قام زيد ، وينزه عنه القرآن . قال سيبويه : « لو قلت : كان زيد منطلقا زيد » لم يكن حدّ الكلام وكان ههنا ضعيفا ، ولم يكن كقولك : ما زيد منطلقا هو ؛ لأنك قد استغنيت عن إظهاره ، وإنّما ينبغي لك أن تضمره » « 4 » . قال شهاب الدّين « 5 » : ومذهب الأخفش أنّه جائز مطلقا ، وعليه بنى الزمخشريّ ،
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 18 / 144 ) . ( 2 ) في ب : المصول . ( 3 ) في ب : الضمير . ( 4 ) في ب : تظمره . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 4 / 201 .